مماطلة الاحتلال وخرق الاتفاق: كيف يعرقل العدوّ الانتقال إلى المرحلة الثانية من وقف الحرب على غزّة؟

ميسم بوتاري – العربي المستقل

منذ الإعلان عن اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزّة، بدا واضحًا أنّ طريق التنفيذ الكامل لن يكون معبّدًا. فبينما التزمت المقاومة الفلسطينية ببنود الاتفاق واحترام استحقاقاته السياسية والميدانية، واصل الاحتلال الإسرائيلي سياسة الخروقات والمماطلة، في سلوك يعكس غياب أي إرادة حقيقية لإنهاء الحرب.
المرحلة الثانية من اتفاق وقف الحرب، المقرّر أن تنطلق مطلع كانون الثاني المقبل وفقًا للمبعوث الأميركي ستيف ويتكوف، تحوّلت سريعًا إلى ساحة اشتباك سياسي ودبلوماسي، بعدما كشفت الوقائع أنّ الاحتلال لم يكن ملتزمًا يومًا لا بروح الاتفاق ولا بنصوصه.


التزام فلسطيني كامل… مقابل خروقات إسرائيلية متواصلة

في المقابل، تؤكد حركة المقاومة الإسلامية «حماس» التزامها الكامل بتنفيذ بنود الاتفاق، محذّرة من محاولات صهيونية ممنهجة لتعطيل الانتقال إلى المرحلة الثانية. وهذه التحذيرات لا تأتي من فراغ، بل تستند إلى خروقات ميدانية متكررة، وتسويفات سياسية، وفرض شروط جديدة خارج إطار التفاهمات الموقّعة. وتشير معطيات متعددة إلى أنّ الاحتلال يتعامل مع الاتفاق كأداة لشراء الوقت وإدارة الأزمة، لا كمسار ملزم لإنهاء الحرب، في محاولة لإعادة خلط الأوراق وتفريغ الاتفاق من مضمونه.

شروط جديدة لنسف الاتفاق: نزع السلاح وجثامين الأسرى

وتضع حكومة بنيامين نتنياهو عراقيل أساسية أمام الانتقال إلى المرحلة الثانية، أبرزها الإصرار على نزع سلاح المقاومة قبل الانسحاب من قطاع غزّة، واشتراط إعادة جثامين جميع الأسرى، وعلى رأسهم المحتجز ران غويلي. وهي شروط لم تكن واردة في الاتفاق الأصلي، ما يجعلها محاولة صريحة لإعادة التفاوض من نقطة الصفر، وربط إنهاء الحرب بنزع السلاح، بما يكشف نية إسرائيلية لإدامة الاحتلال بأدوات مختلفة وتحت عناوين أمنية جديدة.

جمود إقليمي وضغوط أمريكية… ونتنياهو يعرقل

في هذا السياق، كشفت قناة «i24» العبرية عن حالة جمود سياسي تخيّم على ملفات المنطقة، من غزّة إلى سوريا ولبنان وإيران، بانتظار التوجهات النهائية للرئيس الأميركي دونالد ترامب. ورغم الضغوط التي يمارسها مبعوثه ستيف ويتكوف لدفع الاتفاق قدمًا، يواصل نتنياهو تمسّكه بموقفه الرافض للانتقال إلى المرحلة الثانية. اللافت أنّ مصادر عربية منخرطة في المفاوضات أكدت، بحسب إعلام العدو، وجود مرونة أميركية للتقدّم في تنفيذ الاتفاق حتى من دون تحقيق بعض الشروط الإسرائيلية، وهو ما يرفضه نتنياهو بشدّة، في مشهد يعكس تصادمًا متصاعدًا بين تل أبيب وواشنطن.

خطة أمريكية لفرض واقع جديد… والعدو يماطل

وفي تطوّر لافت، كشفت القناة 12 الإسرائيلية عن خطة أميركية قيد الإعداد لإعادة ترتيب المشهد في غزّة، تتضمن تشكيل «مجلس سلام» وحكومة تكنوقراط، مدعومة بقوة استقرار دولية. ووفق مسؤولين في البيت الأبيض، فإن إسرائيل «تماطل بوضوح» في تنفيذ الاتفاق، بل وتخرقه أحيانًا، ما يجعل تطبيقه أكثر تعقيدًا، ويعزّز القناعة بأنّ تل أبيب نادمة على الاتفاق وتسعى للالتفاف عليه.

خلاصة المشهد: احتلال يعرقل.. ومقاومة تلتزم

وبحسب تصريحات لرئيس الهيئة العامة للاستعلامات المصرية ضياء رشوان، يعمل نتنياهو على عرقلة المرحلة الثانية هروبًا من استحقاقاتها السياسية والأمنية، ومحاولةً لتحويل أنظار واشنطن إلى ملفات إقليمية أخرى عبر إشعال توترات جديدة. ويرى رشوان أنّ نتنياهو تحكمه حسابات داخلية وانتخابية، ويسعى لتوسيع مهام قوة حفظ الاستقرار في غزّة لتشمل نزع سلاح «حماس»، في خرق واضح لطبيعة هذه القوة وأهدافها المتفق عليها.


وفي ظل تعقيدات المرحلة المقبلة، برز ملف تشكيل قوة دولية لإدارة الوضع في غزّة، مع عزوف عدد من الدول عن إرسال قوات. ونقلت هيئة البث الإسرائيلية أنّ تل أبيب قد تجد نفسها مضطرة لإعادة النظر في موقفها الرافض لمشاركة تركيا، رغم اعتبار نتنياهو ذلك «خطًا أحمر». وتشير تقارير إلى احتمال ممارسة ترامب ضغوطًا للسماح بهذه المشاركة، ما يضع نتنياهو أمام معضلة سياسية جديدة ويكشف محدودية خياراته.
في المحصلة، بات المشهد أكثر وضوحًا: مقاومة التزمت بالاتفاق وسارت وفق مساره، في مقابل احتلال يواصل التعطيل وفرض الشروط المستحدثة، سعيًا لإفراغ الاتفاق من مضمونه السياسي والإنساني. ومع اقتراب موعد المرحلة الثانية، يبقى السؤال مفتوحًا: هل تنجح الضغوط الدولية في كبح مماطلة الاحتلال وفرض تنفيذ الاتفاق؟ أم يواصل الكيان الصهيوني خروقاته، في تحدٍّ جديد للإرادة الدولية وحقوق الشعب الفلسطيني؟

مقالات للكاتبة

https://arabindependent.com/?p=26433

https://arabindependent.com/?p=24891