ميسم بوتاري- العربي المستقل
غادر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سويسرا بعد مشاركته في منتدى دافوس الاقتصادي، موقعاً على الميثاق التأسيسي لما أطلق عليه اسم “مجلس السلام”، في خطوة أثارت جدلاً دولياً واسعاً حول طبيعة هذا الكيان وأهدافه الحقيقية، وحدود علاقته بالأمم المتحدة، ومستقبل النظام الدولي القائم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
ترامب، الذي أعلن أن المجلس سيعمل “بالتنسيق” مع الأمم المتحدة، أكد خلال مراسم التوقيع، بحضور عدد من قادة وممثلي الدول، أن “مجلس السلام” قد يصبح “واحداً من أكثر الهيئات تأثيراً التي جرى إنشاؤها على الإطلاق”، معتبراً أن “كل دولة تقريباً تريد أن تكون جزءاً منه”.
غير أن هذا الخطاب التفاؤلي سرعان ما اصطدم بتشكيك أممي ودولي متزايد، خصوصاً مع اتساع صلاحيات المجلس لتتجاوز غزة نحو “حل النزاعات المسلحة وتعزيز الاستقرار على مستوى العالم”.
مجلس لغزة… أم بديل للأمم المتحدة؟
المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة، فرحان حق، أوضح أن مجلس الأمن أقرّ إنشاء “مجلس السلام” الوارد في خطة ترامب “لهذا الغرض تحديداً”، أي المتعلق بقطاع غزة، في محاولة أممية واضحة لاحتواء المشروع ومنع تحوله إلى كيان بديل عن المنظمة الدولية.
لكن بنود الميثاق المؤلف من ثماني صفحات، والتي انتقدت صراحة “المقاربات والمؤسسات التي فشلت مراراً” في إشارة مباشرة إلى الأمم المتحدة، ودعت إلى “الشجاعة للانفصال عنها”، عززت المخاوف من أن المشروع يتجاوز كونه آلية دعم إنساني أو تثبيت تهدئة، إلى كونه محاولة لإعادة هندسة النظام الدولي على مقاس واشنطن.
هذه المخاوف لم تكن حصرية، إذ أبدت الصين تحفظاً واضحاً، مؤكدة تمسكها بالنظام الدولي المتمحور حول الأمم المتحدة، بينما أعلنت بريطانيا عدم مشاركتها في مراسم التوقيع، وأشارت فرنسا إلى أن الميثاق “يتجاوز مسألة غزة” ويطرح “أسئلة جوهرية حول احترام مبادئ وهيكلية الأمم المتحدة”.
في المقابل، أعلنت روسيا استعدادها للمساهمة بمليار دولار في المجلس لدعم الفلسطينيين، مع تأكيد الرئيس فلاديمير بوتين أن إقامة دولة فلسطينية مستقلة تبقى السبيل الوحيد لتحقيق تسوية حقيقية.
“قانون ترامب”.. قراءة في التحول الدولي
الدكتور علي الأعور، في تصريح خاص لـ”العربي المستقل”، يرى أن العالم يعيش “أسوأ مرحلة في تاريخه الحديث”، حيث يتم استبدال القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة بما يسميه “قانون ترامب”، القائم على القوة العسكرية والابتزاز السياسي.

ويقول الأعور إن ما يجري يعيد إلى الأذهان حقبة الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضي، حين فرضت النازية منطق القوة قبل أن تسقط، لتولد بعدها الأمم المتحدة كنظام توازن دولي.
لكن الفارق اليوم، بحسب الأعور، أن الرئيس الأمريكي نفسه يقود عملية تفكيك هذا النظام، عبر دعم مطلق للكيان الصهيوني في حرب الإبادة على غزة، والتهديد بتوسيع الحروب من إيران إلى مناطق أخرى، وصولاً إلى الإعلان عن “مجلس السلام” كبديل عملي للأمم المتحدة.
ويحذر الأعور من أن تشكيل المجلس بهذه الصيغة “يعني المسمار الأخير في نعش الأمم المتحدة”، مشيراً إلى أن القرار الدولي بات يصدر من البيت الأبيض دون أي اعتبار للمؤسسات الأمريكية أو الدولية، في عودة صريحة إلى منطق الاستعمار والسيطرة.
موقف حماس: ترقّب حذر ورفض للمساس بالمقاومة
من جهته، أوضح مسؤول العلاقات الإعلامية في حركة حماس، محمود طه، في حديث لـ”العربي المستقل”، أن موقف الحركة من «مجلس السلام في غزة» يتسم بـ«الترقّب الحذر»، مع تمييز واضح بين ما يمكن البناء عليه وما يجب رفضه.

وبحسب طه تنظر الحركة بإيجابية إلى الاهتمام الدولي المتزايد بتثبيت وقف إطلاق النار، وإلى مشاركة دول عربية وإسلامية مثل قطر وتركيا ومصر، باعتبارها عاملاً يمكن أن يحدّ من الانحياز الصهيوني ويدعم جهود الإغاثة والإعمار.
لكنه أكد ان حماس تبدي رفضاً قاطعاً لضم رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو إلى المجلس، معتبرة وجوده “إهانة للعدالة الدولية”، في ظل كونه مطلوباً للمحكمة الجنائية الدولية، ومتهمًا بارتكاب جرائم حرب وإبادة جماعية في غزة.
كما حذر من تحويل المجلس إلى أداة لحماية أمن الاحتلال فقط، عبر فرض مشاريع المناطق العازلة أو ربط الإعمار بشروط سياسية وأمنية تمس جوهر القضية الفلسطينية.
وفيما يتعلق بملف “نزع السلاح”، شدد طه التأكيد على موقف حماس من أن سلاح المقاومة “حق مشروع ونتيجة مباشرة للاحتلال”، وترفض أي محاولة لربط إعادة إعمار غزة بالتخلي عنه، مع تأكيد الاستعداد لحوار وطني فلسطيني داخلي، بعيداً عن الإملاءات الخارجية.
إلى أين يتجه العالم؟
بين تشكيك دولي، وتحذيرات أكاديمية، وموقف مقاوم يرفض إعادة إنتاج الوصاية على غزة، يبدو أن “مجلس السلام” ليس مجرد مبادرة إنسانية كما يتم الترويج له، بل عنوان لمرحلة انتقالية خطيرة في النظام الدولي.
وبحسب قراءة الدكتور الأعور، فإن العالم يقف على أعتاب تحولات كبرى قد تقود إلى صدامات دولية واسعة، خصوصاً في ظل صعود الصين وتراجع قدرة واشنطن على فرض هيمنتها دون مقاومة.
في المحصلة، ترى المقاومة الفلسطينية أن أي مشروع دولي لا ينطلق من إنهاء الاحتلال، ومحاسبة مجرمي الحرب، وضمان الحقوق الوطنية غير القابلة للتصرف، سيبقى مجرد أداة لإدارة الصراع لا حله، مهما حمل من عناوين “السلام”.
العربي المستقل