ميسم بوتاري- العربي المستقل
صباح يوم الثالث من كانون الثاني.. بدأت تتكشف تطورات خطيرة ومتسارعة في فنزويلا، وسط تساؤلات متزايدة حول ما إذا كانت الولايات المتحدة قد دخلت فعليًا في مرحلة الغزو العسكري المباشر للبلاد.
ورغم غياب إعلان رسمي من البيت الأبيض عن إطلاق عملية عسكرية شاملة، إلا أن المعطيات الميدانية والتصريحات السياسية الصادرة من واشنطن تشير إلى تصعيد عسكري غير مسبوق في العاصمة كراكاس.
الرئيس الأميركي دونالد ترامب أعلن أن القوات الأميركية نفذت “ضربات واسعة النطاق” داخل فنزويلا، مؤكدًا اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته ونقلهما جوًا إلى خارج البلاد، واصفًا العملية بأنها “ناجحة بالكامل.
وفي موازاة ذلك، أصدر وزير الدفاع الفنزويلي أوامر بـ”نشر جميع القوات المسلحة” في البلاد، فيما طالبت نائبة الرئيس الفنزويلي الولايات المتحدة بتقديم دليل قاطع على أن مادورو وزوجته لا يزالان على قيد الحياة.

خيانة من الداخل؟
تشير معلومات خاصة حصل عليها “العربي المستقل” إلى أن ما جرى قد يكون نتيجة اختراق وخيانة من داخل المنظومة العسكرية أو الأمنية، ما سهّل تنفيذ العملية واعتقال الرئيس.
وفي هذا السياق، قال الكاتب والمحلل السياسي الدكتور جهاد يوسف، في حديث خاص لـ “العربي المستقل” من داخل فنزويلا: “الأحداث بدأت في تمام الساعة الواحدة صباحًا بتوقيت فنزويلا، حيث شنت القوات العسكرية الأمريكية سلسلة من الهجمات على عدة مواقع استراتيجية في العاصمة كراكاس. وكان الهجوم مركزًا بشكل خاص على القاعدة العسكرية كارلوتا، إضافة إلى قاعدة فورتيت يونا ومنطقة أيغيروتي، وهي مناطق قريبة من القصر الرئاسي.”
وأكد يوسف أن العملية نُفذت على نطاق واسع وفي توقيت مدروس، مستغلّة ساعات الليل الأولى، مضيفًا: “العملية كانت واسعة النطاق. وبالرغم من أن العديد من المواطنين كانوا نائمين حينها، إلا أن الوضع أصبح مشحونًا جدًا. القوات العسكرية الأمريكية تمكنت من السيطرة على بعض المواقع الهامة في العاصمة، وتم اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته في تلك اللحظات، وتم اقتيادهما إلى مكان مجهول”.
وأوضح يوسف أن نائبة الرئيس الفنزويلي تواصلت فورًا مع الجانب الأميركي مطالبة بكشف مصير الرئيس، مشيرًا إلى أن الغموض ما زال سيد الموقف: “حتى الآن، لا توجد معلومات دقيقة عن مكان الرئيس مادورو. البعض يعتقد أنه تم نقله إلى قاعدة أمريكية أو إلى موقع آخر في مكان مجهول. نائبة الرئيس دلسي رودريغيز وآخرون طالبوا الحكومة الأمريكية بالكشف عن مصير الرئيس، لكن لا يوجد أي تأكيد رسمي حتى الآن حول ما إذا كان حيًا أو تم نقله إلى مكان آخر”.
هدوء حذر وترقب في الشارع الفنزويلي
وبحسب يوسف، فإن الشارع الفنزويلي يعيش حالة هدوء حذر وترقب شديد، في ظل غياب التحركات الشعبية الواسعة حتى اللحظة: “الوضع في فنزويلا الآن يشهد حالة من الهدوء الحذر. الشوارع لا تبدو مكتظة بالناس حتى الآن، فالكثير منهم كان نائمًا عندما وقع الهجوم. لكن هناك حالة ترقب شديدة، خاصة من قبل مؤيدي الرئيس مادورو ومن المعارضة على حد سواء”.
وأشار إلى أن المعارضة كانت تنتظر هذه اللحظة منذ فترة طويلة، مرجحًا أن تشهد الساعات القادمة تحركات احتجاجية أو ردود فعل من أنصار الحكومة.
من يحكم فنزويلا الآن؟
وحول الإطار الدستوري، شدد يوسف على أن النظام لم يسقط قانونيًا حتى الآن، موضحًا: “حسب الدستور الفنزويلي، في حالة حدوث شغور في منصب الرئيس، يتم تولي نائبة الرئيس، دلسي رودريغيز، مهام رئاسة البلاد بشكل مؤقت. لذا، من المتوقع أن تستمر الحكومة الحالية في إدارة الأمور، ولكن بطبيعة الحال سيكون الوضع حساسًا للغاية”.
وأكد أن الساعات المقبلة ستكون حاسمة في تحديد اتجاهات المشهد السياسي والأمني داخليًا وخارجيًا.
لماذا فنزويلا؟
لطالما شكّلت فنزويلا نقطة استقطاب مركزية في الاستراتيجية الأميركية بأمريكا اللاتينية. فحكومة مادورو تمثل تحديًا مباشرًا للنفوذ الأميركي، في ظل علاقاتها الوثيقة مع روسيا وإيران وكوبا ونيكاراغوا، وهو ما تعتبره واشنطن تهديدًا جيوسياسيًا متصاعدًا.
إلى جانب ذلك، لا يمكن فصل التصعيد العسكري عن العامل النفطي، إذ تمتلك فنزويلا أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم، ما يجعلها هدفًا استراتيجيًا دائمًا، خصوصًا في ظل العقوبات التي أعاقت استثمار هذه الثروة خلال السنوات الماضية.
أبعاد دولية واحتمالات خطيرة
ترى روسيا في السلوك الأميركي إهانة لموازين القوى الدولية وتهديدًا مباشرًا لمصالحها في أمريكا اللاتينية. كما أن الصين تراقب التطورات بحذر، في ظل توسع نفوذها الاقتصادي في المنطقة.
ويرى مراقبون أن فنزويلا قد تتحول إلى ساحة صراع بالوكالة بين القوى الكبرى، في حال استمرت العمليات العسكرية أو تصاعدت ردود الفعل الإقليمية.
ماذا بعد؟
التساؤل الأبرز الآن: هل تسعى الولايات المتحدة فقط إلى إزاحة مادورو، أم إلى إعادة تشكيل النظام السياسي الفنزويلي بالكامل بما يخدم مصالحها الاستراتيجية والاقتصادية؟
ما هو مؤكد حتى اللحظة أن فنزويلا تقف على عتبة مرحلة مفصلية، قد تعيد رسم التوازنات في أمريكا اللاتينية، وتفتح فصلًا جديدًا من التوترات الجيوسياسية ذات التأثير الإقليمي والدولي الواسع.
ويبقى المستقبل القريب مفتوحًا على سيناريوهين: مزيد من التصعيد العسكري، أو محاولة فرض حلول سياسية تحت ضغط القوة، في واحدة من أخطر الأزمات التي تشهدها المنطقة منذ عقود.
العربي المستقل