حسام أبو صفية.. حين يتحول الطبيب إلى شاهدٍ على وجع الإنسانية

حسام أبو صفية.. حين يتحول الطبيب إلى شاهدٍ على وجع الإنسانية

ميسم بوتاري- العربي المستقل

 

في صورةٍ لا تُشبه سوى المآسي الكبرى، يقبع مدير مجمع الشفاء الطبي في غزة الدكتور حسام أبو صفية منذ أكثر من 500 يوم داخل سجون الاحتلال الإسرائيلي، وسط ظروف إنسانية قاسية، أنهكت جسده وأطفأت الكثير من ملامحه التي عرفها الناس عبر شاشات التلفزة وممرات المستشفيات.

فأين ذاك الجسد الذي كان يتحرك بثقة بين المرضى، والصوت الذي كان يبعث الطمأنينة في أكثر اللحظات رعبًا؟ وأين تلك الكاريزما التي جعلت حضوره يشبه رجال الدولة، وهو يقود واحدة من أصعب المعارك الإنسانية داخل قطاع غزة؟

اليوم، تبدو الصورة مختلفة إلى حدّ الصدمة.. بحسب شهادات أسرى محررين كانوا معه داخل غرفة الاعتقال، فإن حالة الدكتور أبو صفية تدهورت بصورة كبيرة؛ إذ يقضي معظم وقته جالسًا في حالة ذهول وإرهاق شديد، نتيجة التعذيب المتواصل وسوء المعاملة.. الرجل الذي كان يدير مستشفى كاملًا تحت القصف، تحوّل إلى إنسان يهمس بدعوات متقطعة بصوت خافت، بالكاد تُفهم كلماته من شدة الإعياء.

إنها ليست مجرد محاولة لكسر الجسد، بل عملية ممنهجة لـ”اغتيال الهوية”، حيث يسعى الاحتلال إلى محو صورة الإنسان القوي وتحويله إلى ظلٍّ باهت، يحمل آثار الألم في كل تفصيل من تفاصيله.

وبعد ضغوط دولية متزايدة، سمحت سلطات الاحتلال له بلقاء محاميه لأول مرة بعد 90 يومًا من العزل ومنع الزيارات، وفق ما أكده نجله، الذي قال إن العائلة تعيش قلقًا دائمًا مع كل الأخبار التي تتحدث عن الحالة الصحية المتدهورة لوالده.

محامي الدكتور، إلى جانب أطباء من أجل حقوق الإنسان، أكدوا أن أبو صفية، ومعه مئات الكوادر الطبية الفلسطينية، لم تُوجَّه إليهم أي تهم حتى الآن، وأن اعتقالهم يتم بموجب قانون “المقاتل غير الشرعي”، الذي يسمح باحتجاز الفلسطينيين لفترات طويلة من دون محاكمة أو اتهام واضح.

لكن قصة حسام أبو صفية لم تبدأ داخل الزنزانة.. ففي فجر السابع والعشرين من ديسمبر/كانون الأول 2024، شاهد العالم الطبيب الفلسطيني يسير بردائه الأبيض بين الركام، متجهًا نحو دبابات الاحتلال التي كانت تحاصر مستشفى كمال عدوان، آخر منشأة طبية كبيرة كانت تقدم الحد الأدنى من الرعاية الصحية شمال قطاع غزة.

ذلك المشهد لم يكن عابرًا.. منذ تلك اللحظة، تحوّل اسم حسام أبو صفية إلى رمز إنساني عالمي، بعدما رفض مغادرة المستشفى رغم القصف والحصار، وقرر البقاء إلى جانب الأطفال والمرضى الذين كانوا يواجهون الموت من كل اتجاه.

لم يكن يحمل سلاحًا، بل سماعة طبيب.. ولم يكن يقود معركة عسكرية، بل معركة لإنقاذ الحياة.. وربما لهذا السبب تحديدًا، بقيت صورته حاضرة في ذاكرة العالم: طبيبٌ أعزل، يقف في وجه الحرب، مؤمنًا بأن واجبه الإنساني أكبر من الخوف، وأن إنقاذ طفل واحد يستحق كل هذا الثبات.

اليوم، بينما يواجه الدكتور حسام أبو صفية مصيرًا مجهولًا داخل السجون، تبقى قصته شاهدًا حيًا على الثمن الذي يدفعه الأطباء والمسعفون في غزة، فقط لأنهم اختاروا أن يكونوا إلى جانب الحياة، في زمنٍ صار فيه البقاء إنسانًا فعل مقاومة بحد ذاته.