الأمان المفقود… بين ركام المنازل

إبراهيم درويش -العربي المستقل

لطالما خضتُ نقاشات مع أصدقاء كثيرين حول أولويّة الصحّة والأمان على أيّ من أولويات الحياة. كان رأي البعض أن المال هو كل شيء، ولا أولويّة تتقدّم عليه، وآخرون رأيهم أن المال
يمكن أن يساعد في الوصول إلى صحة جيدة، وهذا صحيح ومقنع، لكن الخلاف لطالما كان حول أن وجود مزيد من المال يمكن أن يحقق الأمان الكلي، وهذا ما اختلف عليه مع كثيرين.
وبناء عليه، فإن أولويّة الأمان لا تعني سقوط باقي الأولويات أو اضمحلال أهميتها، بل تتصدّر القائمة، لأن المال هنا يصبح كورقة حظ، أو عنصراً مساعداً يخفف من آثار انعدام الأمان
وتبعاته، فالأمران ليسا على تناقض، ولا تلغي الواحدة الأخرى.

في لبنان، وعلى امتداد مساحة واسعة، وفي هذه الفترة تحديداً، هناك حالة مجتمعيّة واسعة من انعدام الأمان، التي أثبتت الوقائع والتجارب أن لا نفوذ، ولا إمكانيات، تساعد على درء أخطارها. هناك شعور واسع من تلاشي مساحات السلام النفسي والاستقرار، هناك شعور بأن جزءاً من جسدك، جانب من روحك يصيبها تلف ما، وأنت ترى تلك الإشارة الزرقاء والحمراء، تختار منزلاً nominé لتسويه بالأرض، فيما كثيرون، على بقعة مشتركة معك، يرون في منزلك مجرد كتلة إسمنتية، بناها مقاول ما، واشتراها مواطن ما، قبل أن يهدمها قاتل ما، وتنشرها وسيلة ما على أنها حدث ما في بقعة ما.

لكن ما كل ذلك سوى بداية الحكاية، قبل عملية البناء الحقيقية للمنزل، من تفاصيل تخفي بياض الجدران، وذكريات، ومشاعر، وحكايا، وأسرار، وفرح، وحزن، وانكسارات، ونجاحات، ولهفة، وعشق، وحب، وسهر، وألم، وراحة.

فهناك، في زاوية ما، زوجة انتظرت عودة زوجها ليتشاركا طعام غداء، اختبرت طهوه لأول مرة، وهناك في زاوية ما، أخفى عاشق وشريك مهتم خلف ظهره باقة من الورد ليفاجئ زوجته بها.

وعند باب ذلك المنزل، أطفال انتظروا عودة والدهم بعد أن سمعوا هدير سيارته، وفي ذلك المطبخ، أم طهت حبها على موائد العطاء وجلست تراقب شفاه عائلتها، يرتشفون ويقتاتون بشغف، دفء ما طهت.

هنا، حبّ طفل لأول مرة، وخطا أول خطوة، وهناك اجتمعت العائلة لإحياء أول عيد مولد، وهناك تخاصما وتصالحا، قبل أن يغلق الباب على عجل للمرة الأخيرة، ليسوى المنزل بالأرض، ساحقاً معه عمراً كاملاً، وليفشل ذلك الباب، للمرة الأولى، في إعادة أمان إلى عائلة شاهدت منزلها يستحيل ركاما، وأمانها يستحيل غباراً يرتفع في السماء، قبل أن يهوي ويرتطم ارتطاماً ويتناثر جزيئات.