ميسم بوتاري – العربي المستقل
في خطوة وُصفت في الأوساط السياسية بالدراماتيكية، أعلن الكيان الصهيوني، في 26 كانون الأول/ديسمبر 2025، اعترافه الرسمي بأرض الصومال كدولة مستقلة وذات سيادة. وفي سياق متصل، اقترح عضو “الكنيست” عن حزب الليكود، دان إيلوز، أن تعترف “إسرائيل” باستقلال إقليم القبائل شمال الجزائر، مستندًا إلى إعلان زعيم حركة “الماك”، فرحات مهني، إقامة ما أسماه “الجمهورية الفيدرالية العلمانية والديمقراطية لمنطقة القبائل”.
هذه التحركات لا تبدو معزولة أو عشوائية، بل تندرج ضمن استراتيجية صهيونية أوسع تهدف إلى زعزعة استقرار الدول العربية والإفريقية، وتفكيك وحدتها الداخلية، بما يخدم مشروع “إسرائيل الكبرى”، القائم على توسيع النفوذ في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا عبر تشجيع كيانات انفصالية ضعيفة، تعتمد على الدعم الصهيوني سياسيًا وأمنيًا.
حركة الماك: مشروع انفصالي مدعوم خارجيًا
تأسست حركة “الماك” عام 2001 تحت شعار الدفاع عن الهوية الأمازيغية، لكنها تحولت تدريجيًا إلى مشروع انفصالي يهدد وحدة الجزائر وسيادتها. وقد تورطت عناصرها في أنشطة غير قانونية، شملت التحريض على الفتنة، والارتباط بأجندات خارجية معادية، واستغلال الأزمات الداخلية لتحقيق أهداف انفصالية، إضافة إلى شبهات تورط في حرائق وأعمال تخريبية تهدد الأمن العام.
وتؤكد زيارة فرحات مهني إلى الكيان الصهيوني في 20 و21 أيار/مايو 2012، حيث تنقّل بين القدس المحتلة وتل أبيب، سعيه الواضح إلى كسب دعم خارجي لمشروعه الانفصالي. ويعزز ذلك فرضية أن هذه التحركات لا تقتصر على الساحة الجزائرية، بل تشكّل جزءًا من مخطط أوسع لدعم مشاريع تفتيتية في المنطقة، من اليمن إلى السودان والصومال وصولًا إلى الجزائر، بهدف إنشاء دويلات هشة تعتمد على الدعم الخارجي وتخدم الأجندات الصهيونية.
الوحدة الوطنية خط أحمر
تؤكد الدولة الجزائرية، رسميًا وشعبيًا، أن منطقة القبائل جزء أصيل لا يتجزأ من الوطن. فقد كان لأبنائها دور بارز في مقاومة الاستعمار الفرنسي والمساهمة في بناء الدولة الجزائرية الحديثة، وأي محاولة لتصوير المنطقة ككيان منفصل تُعد تشويهًا للتاريخ وتناقضًا مع الواقع الاجتماعي والسياسي.
وفي هذا السياق، يشير خبير الدراسات الأمنية الدكتور قوي بو حنية، في حديث خاص لـ”العربي المستقل” من الجزائر، إلى أن مطالب الهوية الأمازيغية يمكن تلبيتها ضمن إطار الدولة الوطنية الموحدة، بعيدًا عن أي مشاريع انفصالية، محذرًا من أن استغلال الهوية لأغراض سياسية تقسيمية يشكل تهديدًا مباشرًا للاستقرار الداخلي.

الرفض الشعبي والعائلي
حتى داخل عائلة فرحات مهني نفسها، برز رفض واضح لهذه الطروحات، إذ أعلن ابنه، “أغور مهني”، تبرؤه من الأفكار الانفصالية لوالده، مؤكدًا انتماءه الكامل للوطن الجزائري. كما أظهرت الاحتجاجات الشعبية، والأحداث التي رافقت الحرائق المريبة في آب/أغسطس 2021، تورط بعض العناصر في أعمال استفزازية هدفت إلى زعزعة الاستقرار في منطقة القبائل.
الأطماع الصهيونية والأمن الإقليمي
ورغم تمسّك الجزائر، دولةً وشعبًا، بوحدتها الوطنية، واحترامها للتعدد الثقافي وتعزيز الهوية الأمازيغية داخل إطار الدولة، فإن الاعتراف الصهيوني بالمشاريع الانفصالية لا يُعد قضية داخلية فحسب، بل يشكل تهديدًا مباشرًا للأمن الإقليمي.
فالكيان الصهيوني يسعى، من خلال هذه السياسات، إلى تقويض وحدة الدول العربية، واستغلال الانقسامات الداخلية، ودعم حركات انفصالية في مناطق استراتيجية تمتد من اليمن والسودان إلى الصومال والجزائر، إضافة إلى خلق كيانات صغيرة تابعة أو ضعيفة تُسهّل تمدد نفوذه وتخدم مشروع “إسرائيل الكبرى”.
وتفتح هذه الاستراتيجية الباب واسعًا أمام التدخل الخارجي في شؤون الدول العربية، وتغذي التوترات العرقية والسياسية، ما يهدد استقرار شمال أفريقيا والقرن الإفريقي والشرق الأوسط بأكمله.
العربي المستقل