حرب لا تنتهي: لماذا يجب الاستعداد لمرحلة الصراع المفتوح في الشرق الأوسط؟
كتب د. محمد اليمني

منذ سنوات طويلة اعتادت المنطقة العربية على التعامل مع الحروب باعتبارها أحداثًا مؤقتة لها بدايات ونهايات واضحة، تبدأ بقرار سياسي أو عسكري وتنتهي باتفاق أو هدنة أو انتصار طرف على آخر. لكن ما تشهده المنطقة اليوم، وخاصة في الساحات الممتدة من غزة ولبنان إلى البحر الأحمر والخليج وإيران، يفرض قراءة مختلفة تمامًا لطبيعة الصراع القائم. فالمؤشرات المتراكمة تدفع نحو استنتاج بات يتردد لدى كثير من دوائر التحليل الاستراتيجي: نحن أمام حرب طويلة الأمد، وربما أمام حقبة كاملة من الصراع المستمر وليست مجرد جولة عسكرية عابرة.
لقد وصل كثير من المراقبين إلى قناعة بأن الحرب الحالية ليست حربًا تقليدية يمكن تحديد موعد نهايتها، بل هي جزء من عملية صراع ممتدة تتجاوز حدود الجغرافيا والزمن. وحتى لو نجحت الولايات المتحدة وإيران في التوصل إلى اتفاق سياسي أو تفاهمات مرحلية، فإن ذلك لن يعني نهاية المواجهة، بل ربما يمثل مجرد استراحة مؤقتة بين جولات جديدة من الصراع بأشكال وأساليب مختلفة.
في الواقع، فإن النظر إلى الأحداث الجارية باعتبارها بدأت اليوم أو قبل أشهر فقط يمثل خطأً في فهم طبيعة المشهد. فالحرب التي نراها اليوم ليست سوى فصل من فصول مواجهة بدأت فعليًا منذ سنوات، وتحديدًا منذ التحولات الكبرى التي شهدتها المنطقة خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة.
فمنذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، وما تبعها من إعادة تشكيل للتحالفات الدولية، دخل الشرق الأوسط مرحلة جديدة من التنافس والصراع الاستراتيجي.
لقد شهدت المنطقة خلال هذه الفترة سلسلة متواصلة من المواجهات العسكرية والأمنية والسياسية. من غزة إلى جنوب لبنان، ومن سوريا والعراق إلى البحر الأحمر والخليج، كانت الجبهات تشتعل وتخمد ثم تشتعل من جديد، في مؤشر واضح على أن الصراع لم يعد مرتبطًا بحدث محدد أو أزمة منفردة، بل أصبح جزءًا من بنية إقليمية جديدة تتسم بعدم الاستقرار المستمر.
والأهم من ذلك أن جوهر الصراع الحالي يتجاوز الخلافات التقليدية حول الحدود أو المصالح الاقتصادية أو النفوذ السياسي. فبالنسبة للأطراف المنخرطة فيه، باتت الحرب تُقدَّم على أنها معركة وجودية تتعلق بمستقبل الكيانات والهويات والمشاريع السياسية نفسها.
وعندما يتحول الصراع من نزاع على المصالح إلى صراع على الوجود، فإن فرص التسوية تصبح أكثر تعقيدًا، لأن كل طرف ينظر إلى التنازل باعتباره تهديدًا مباشرًا لبقائه وليس مجرد خسارة سياسية يمكن تعويضها.
هذا النوع من الحروب يختلف جذريًا عن الحروب التقليدية. ففي الحروب التقليدية يمكن التوصل إلى حلول وسط أو اتفاقات توازن مصالح. أما في الحروب الوجودية فإن كل طرف يعتقد أن انتصار الطرف الآخر يعني نهايته هو، ولذلك تستمر المواجهة حتى في ظل وجود مفاوضات أو اتفاقات مؤقتة. ومن هنا يمكن فهم سبب فشل العديد من المبادرات الدولية في تحقيق استقرار دائم في المنطقة خلال السنوات الماضية.
إن الاتفاق المحتمل بين واشنطن وطهران، على سبيل المثال، قد يخفف من مستوى التوتر المباشر لفترة محددة، لكنه لن يعالج الأسباب العميقة للصراع. فالخلافات المتعلقة بالنفوذ الإقليمي، وشبكات التحالفات العسكرية، والبرامج التسليحية، والممرات البحرية، وترتيبات الأمن الإقليمي ستظل قائمة حتى بعد أي اتفاق. لذلك فإن أي تفاهم مستقبلي سيكون أقرب إلى إدارة للصراع وليس إنهاءً له.
كما أن البيئة الدولية نفسها لا تشجع على الوصول إلى حلول نهائية. فالعالم يعيش مرحلة انتقالية تتراجع فيها هيمنة القطب الواحد وتتصاعد فيها المنافسة بين القوى الكبرى. وفي مثل هذه الظروف تتحول مناطق التوتر الإقليمي إلى ساحات مفتوحة للصراع الدولي، ما يجعل النزاعات المحلية أكثر تعقيدًا وأطول عمرًا.
إضافة إلى ذلك، فإن التطور التكنولوجي والعسكري ساهم في تغيير طبيعة الحروب الحديثة. فالمواجهة لم تعد تعتمد فقط على الجيوش التقليدية، بل أصبحت تشمل الصواريخ الدقيقة والطائرات المسيّرة والحرب السيبرانية والحروب الاقتصادية والإعلامية. وهذا يعني أن الحرب يمكن أن تستمر حتى في غياب المعارك المباشرة، لأن أدوات الصراع باتت متعددة ومتداخلة.
ومن هنا تبرز أهمية الاستعداد لواقع جديد قد يستمر لسنوات طويلة. فالرهان على حلول سريعة أو نهايات قريبة قد يؤدي إلى سوء تقدير استراتيجي خطير. المطلوب من الدول والمجتمعات ومراكز صنع القرار هو التعامل مع المرحلة الحالية باعتبارها مرحلة صراع ممتد يتطلب بناء سياسات طويلة الأمد قادرة على التكيف مع بيئة إقليمية متغيرة وغير مستقرة.
كما أن الاستعداد لا يجب أن يكون عسكريًا فقط، بل اقتصاديًا واجتماعيًا وسياسيًا أيضًا. فالحروب الطويلة تستنزف الموارد وتؤثر على الأسواق وسلاسل الإمداد والاستثمارات، وتفرض تحديات كبيرة على الأمن الغذائي والطاقة والاستقرار الداخلي. لذلك فإن القدرة على الصمود أصبحت عنصرًا حاسمًا لا يقل أهمية عن القدرة على القتال.
تبدو المنطقة اليوم أمام واقع استراتيجي جديد عنوانه الرئيسي هو الصراع المفتوح. قد تتغير أسماء المعارك، وقد تتبدل ساحات المواجهة، وقد تُوقَّع اتفاقات وهدنات بين الحين والآخر، لكن الاتجاه العام يشير إلى استمرار حالة الاشتباك بأشكال مختلفة. ولهذا فإن السؤال لم يعد متى تنتهي الحرب، بل كيف يمكن التعايش مع مرحلة طويلة من الصراع وإدارتها بأقل الخسائر الممكنة.
إن أخطر ما يمكن أن يواجهه أي مجتمع أو دولة هو بناء سياساته على افتراضات غير واقعية. أما القراءة الأكثر واقعية اليوم فتقول إن المنطقة دخلت بالفعل عصر الحروب الممتدة، وإن الاستعداد لهذا الواقع أصبح ضرورة استراتيجية لا خيارًا سياسيًا. فالتاريخ يعلمنا أن الصراعات الوجودية لا تنتهي بسهولة، وأن نهاياتها غالبًا ما تُكتب بعد سنوات طويلة من الاستنزاف وإعادة تشكيل موازين القوى.
وفي ظل هذه المعطيات، يبقى الاحتمال الأكثر ترجيحًا أن تستمر المنطقة في الدوران داخل دائرة الصراع لسنوات مقبلة، مع تغير أشكال المواجهة وتبدل أدواتها، لكن دون أن يلوح في الأفق القريب حل نهائي قادر على إغلاق هذا الملف المعقد بصورة كاملة.
العربي المستقل