من منظور عسكري- مريم عبد الله

تشير المؤشرات العملياتية إلى أن إيران عادت إلى استخدام الصواريخ الباليستية متوسطة المدى عالية الدقة، بعد مرحلة اعتمدت خلالها بصورة أكبر على صواريخ أقدم وأقل دقة. ومن منظور عسكري، قد يعكس هذا التحول انتقالًا في إدارة الحملة الصاروخية، من مرحلة استنزاف منظومات الدفاع الجوي عبر إطلاق ذخائر أقل قيمة، إلى مرحلة توظيف صواريخ أكثر تطورًا لاستهداف أهداف ذات أهمية عملياتية واستراتيجية. ويشير ذلك إلى استخدام أكثر انتقائية للمخزون الصاروخي، بما يتناسب مع طبيعة الأهداف وأولويات المعركة.
وفي هذا السياق، يبرز التمييز بين مفهوم الصاروخ الدقيق ومفهوم الهدف أو الضربة النقطية، وهما مصطلحان يُستخدمان أحيانًا على نحو متداخل رغم اختلاف دلالتهما العسكرية.
فـالصاروخ الدقيق (Precision Missile) هو صاروخ مزود بأنظمة توجيه متقدمة، مثل الملاحة بالأقمار الصناعية، أو القصور الذاتي، أو التوجيه البصري والراداري، ما يمنحه قدرة عالية على إصابة الهدف ضمن هامش خطأ محدود للغاية. ويُقاس مستوى هذه الدقة عادةً بمؤشر دائرة الخطأ المحتمل (CEP)، الذي يحدد متوسط المسافة بين نقطة الإصابة ومركز الهدف.
في المقابل، فإن الهدف أو الضربة النقطية (Point Target / Point Strike) لا يصف نوع الصاروخ، بل طبيعة الهدف المراد تدميره. ويشمل ذلك أهدافًا صغيرة ومحددة، مثل مراكز القيادة، ومحطات الرادار، وبطاريات الدفاع الجوي، وفتحات الأنفاق، ومستودعات الذخيرة. ويتطلب تدمير هذه الأهداف استخدام ذخائر عالية الدقة، لأن أي انحراف بسيط قد يؤدي إلى إخفاق المهمة.
وعليه، فإن الصاروخ الدقيق يمثل توصيفًا لقدرات السلاح، بينما تعبر الضربة النقطية عن طبيعة المهمة العسكرية. فكل ضربة نقطية تستلزم استخدام صاروخ يتمتع بدقة عالية، إلا أن الصاروخ الدقيق لا يقتصر استخدامه على هذا النوع من الأهداف، بل يمكن توظيفه أيضًا ضد أهداف أوسع، مثل القواعد الجوية، والمطارات العسكرية، والمنشآت الصناعية والعسكرية، عبر استهداف نقاط حيوية داخلها لتحقيق أعلى تأثير بأقل عدد من الذخائر.
وبناءً على ذلك، فإن العودة إلى استخدام الصواريخ الباليستية عالية الدقة قد تُفسَّر، من الناحية العسكرية، على أنها مؤشر على انتقال الحملة الصاروخية إلى مرحلة أكثر انتقائية، يكون فيها التركيز على إصابة أهداف نوعية ذات قيمة عملياتية أو استراتيجية، بعد استهلاك جزء من قدرات الدفاع الجوي المعادي في المراحل السابقة
العربي المستقل