ميسم بوتاري- العربي المستقل
خطوة صهيونية جديدة تفتح الباب أمام تحول نوعي في طريقة إدارة الضفة الغربية المحتلة… وزير جيش العدو يسرائيل كاتس وجّه الجيش إلى إعداد خطة لنقل صلاحيات إنفاذ القانون المدني في الضفة الغربية إلى شرطة الاحتلال، بالتنسيق مع الجهات حكومية صهيونية معنية.
وبحسب التوجيه، ستشكّل الشرطة قوة خاصة للتعامل مع القضايا المدنية، وستحصل على الصلاحيات والميزانيات اللازمة، فيما سيقتصر دور الجيش بصورة أكبر على ما يسميه الكيان “المهام الأمنية”، من بينها مواجهة الفلسطينيين وحماية المستوطنات.
ظاهرياً، تبدو الخطوة إعادة توزيع للصلاحيات بين مؤسسات صهيونية، لكنها في الواقع تحمل أبعاداً سياسية وقانونية تتجاوز ذلك.. فالانتقال من إدارة عسكرية إلى إدارة مدنية إسرائيلية في الضفة يعني توسيع حضور مؤسسات الكيان في الأراضي المحتلة، وربط مزيد من تفاصيل الحياة اليومية فيها بالمنظومة الإسرائيلية، في وقت تتواصل فيه إجراءات توسيع المستوطنات وتثبيت السيطرة على الأرض.
وهنا تكمن الخطورة الأكبر على الفلسطينيين.. فإذا أصبحت الشرطة الإسرائيلية الجهة الأساسية المسؤولة عن إنفاذ القانون في القضايا المدنية، فإن قضايا بالغة الحساسية، مثل الهدم، والبناء، والأراضي، والمستوطنات، والاعتداءات، والحركة، وغيرها، ستصبح أكثر ارتباطاً بأجهزة الكيان الصهيوني، بدلاً من بقائها ضمن إطار الإدارة العسكرية للاحتلال.
والأخطر أن هذه الصلاحيات ستوضع، وفق ما أوردته صحيفة “معاريف”، تحت مسؤولية ما يسمى بوزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، بما يشمل ملفات الهدم والتعامل مع المستوطنين والاعتداءات التي يرتكبونها.
وهذا التطور يأتي في بيئة تشهد أصلاً تصاعداً في عنف المستوطنين والاستيلاء على الأراضي الفلسطينية.. وقد وثقت تقارير حديثة تزايد الاعتداءات ومحاولات الاستيلاء على الأراضي، فيما حذرت جهات حقوقية من أن السياسات الإسرائيلية الحالية تدفع نحو مزيد من الإقصاء والتهجير للفلسطينيين.
لذلك، فإن نقل إنفاذ القانون إلى الشرطة لا يعني انتقال الضفة إلى وضع “مدني” بالمعنى الطبيعي، بل يعني تثبيت سيطرة إسرائيلية مدنية على أرض محتلة.. وهذه النقطة تحديداً تثير مخاوف واسعة من أن تكون الخطوة جزءاً من مسار تدريجي نحو الضم الفعلي للضفة الغربية، عبر تحويل السيطرة الإسرائيلية إلى منظومة إدارية ومؤسساتية دائمة.
وتشير تقارير دولية إلى أن الكيان أجرى بالفعل خلال السنوات الماضية تغييرات مؤسساتية نقلت أجزاء من إدارة الشؤون المدنية في الضفة من المؤسسة العسكرية إلى جهات حكومية ومدنية مرتبطة بمشروع الاستيطان، وهو ما اعتُبر خطوة تقرّب الضفة من الضم الفعلي.
أما بالنسبة إلى السلطة الفلسطينية، فقد تكون التداعيات أكثر خطورة.. فكلما اتسعت الصلاحيات الصهيونية المباشرة في الأراضي الفلسطينية، تضاءلت المساحة المتبقية أمام السلطة لممارسة أي شكل من أشكال الإدارة الفعلية، خصوصاً في المناطق التي يفترض أن تكون جزءاً من مشروع الدولة الفلسطينية المستقبلي.
وبالتالي، لا يتعلق الأمر فقط بمن يتولى إصدار المخالفات أو تنفيذ قرارات الهدم، بل بالسؤال الأكبر: من يملك السلطة الفعلية على الأرض؟
إذا انتقلت المزيد من الصلاحيات إلى مؤسسات إسرائيلية، بالتوازي مع توسع المستوطنات وتثبيت السيطرة على الأراضي، فإن ذلك قد يؤدي إلى إفراغ مفهوم الإدارة الفلسطينية من مضمونه، وتحويل السلطة الفلسطينية تدريجياً إلى كيان محدود الصلاحيات داخل واقع تفرض إسرائيل قواعده وحدوده.
ومن هنا، فإن القرار الإسرائيلي، إذا انتقل من مرحلة الإعداد إلى التطبيق، قد يشكل محطة إضافية في مسار تغيير طبيعة السيطرة على الضفة الغربية، ويعزز واقعاً تكون فيه الإدارة الإسرائيلية المباشرة أكثر حضوراً في حياة الفلسطينيين، بينما تتقلص بصورة متزايدة فرص إقامة دولة فلسطينية متصلة جغرافياً وقابلة للحياة.
ولا يمكن فصل هذا التوجه الإسرائيلي عن السياق السياسي الداخلي، ولا سيما مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية في الكيان وتصاعد المنافسة على أصوات اليمين والمستوطنين.. فمثل هذه التصريحات والقرارات، حتى في حال بقيت في إطار الإعداد ولم تنتقل إلى التطبيق الكامل، يمكن أن تتحول إلى أدوات في الحملات الانتخابية، عبر تقديم صورة عن حكومة أكثر تشدداً في التعامل مع الفلسطينيين وأكثر انحيازاً إلى مشروع الاستيطان، فالإعلان عن التحضير لنقل صلاحيات إنفاذ القانون المدني في الضفة الغربية إلى الشرطة الإسرائيلية لا يُقرأ فقط بوصفه إجراءً إدارياً، بل أيضاً كرسالة موجهة إلى جمهور اليمين والمستوطنين، في محاولة لتأكيد الالتزام بتوسيع السيطرة الإسرائيلية على الضفة وتعزيز المشروع الاستيطاني.
وقد تكون بعض هذه التصريحات صعبة التطبيق أو تحتاج إلى إجراءات قانونية وسياسية معقدة، لكن مجرد طرحها في هذا التوقيت يحقق هدفاً انتخابياً، إذ يسمح للسياسيين الإسرائيليين بتقديم أنفسهم أمام جمهور اليمين باعتبارهم أصحاب مواقف أكثر تشدداً تجاه الفلسطينيين وأكثر دعماً للمستوطنين.
وبالتالي، فإن خطورة هذه الخطوة لا تكمن فقط في احتمال تطبيقها، بل أيضاً في تحويل مستقبل الضفة الغربية وحقوق الفلسطينيين إلى ورقة في المنافسة السياسية الإسرائيلية، بما يرسّخ واقع الاحتلال والاستيطان ويجعل أي تسوية سياسية مستقبلية أكثر صعوبة وتعقيداً.
إنها، بالنسبة للفلسطينيين، ليست مجرد عملية نقل صلاحيات بين الجيش والشرطة، بل خطوة قد تعيد رسم العلاقة بين الاحتلال والأرض والسكان، وتحوّل السيطرة العسكرية إلى سيطرة مؤسساتية أكثر رسوخاً؛ وهو ما يجعل تداعياتها تتجاوز الحاضر إلى مستقبل الضفة الغربية والسلطة الفلسطينية والقضية الفلسطينية برمتها.
العربي المستقل