من الجنوب… أريد أتنفّس

من الجنوب… أريد أتنفّس!

 

العربي المستقل_ جبران خاطر

 

لم أركب ركاب تطور المدن الحديثة، بل حاولتُ -على امتداد العقود والسنوات- أن أحافظ على أصالتي وبساطتي، على الشكل الذي ألفتُموه جميعاً.

في زمن التغوّل والزحف الإسمنتي، بقيت ضفائري الخضراء متدليةً فوق السفوح والأودية. وعلى الرغم من ثقل الآلام التي اعتملت في قلبي عبر حقبات مختلفة، لم تتأخر ذراعاي عن احتضانكم جميعاً، على اختلاف ألوانكم، وانتماءاتكم، ومشاربكم.

سنواتٌ من العطاء مرت، دون أن أتوانى عن تلبية احتياجاتكم. صيفاً، أفتح رئتيَّ على وسعهما للهيب الهواء ليعبر بصلفٍ بين ضلوعي، ثم أعيد لفظه نسيماً يخفف عنكم قسوة الحر.

خريفاً، كنتُ أقفُ وحدي أُنظّف جسدي من ترسبات الاحتراق، وأتجهز لرحلة البرد القارس؛ وحيداً عارياً بعدما أمعنت الشمس في كيّ أوراقي وحضّرتها للتساقط، دون أن تهتم لتعريتي وما يستر عورة التقصير والإهمال.

شتاءً، لم أشكُ يوماً قسوة البرد ولا السيول الجارفة، بل كنتُ أفتح شفتيَّ لارتشافها وتخزينها لأيام صيام الغيم وإجازة السماء.

لم أشكُ يوماً قلة وفاء البعض، ولم أبخل بتقديم أشجاري قرابين في مواقدكم وأنا أتعايش مع البرد القارس، بينما تشربون كوباً دافئاً من الشاي في منازلكم ومقاهيكم الحميمية.

ربيعاً، وفي مخاض الولادات، أخفيتُ عنكم أوجاعي يوم كانت الينابيع تشق طريقها من أحشائي، ممزقةً جسدي الطري لتغرفوا منها ماءً رقراقاً يبعد عنكم كأس العطش؛ حتى ذلك الورد اللطيف مرّ بشوكه مخلفاً جراحاً في مساماتي الصغيرة.

محارثكم ومعاولكم، وكل ما ألقيتموه في أحشائي من مفيدٍ وضار، كنتُ أردّه لكم مواسم معطاءة. من أقصى الجنوب إلى أقصى الشمال والشرق، وصولاً إلى بلاد الاغتراب؛ بماذا بخلتُ عليكم؟ بالزيت والزيتون، والتين والجوز، والعنب، والزعتر والسماق، والحنطة، والحمضيات والمواسم على تعاقبها؟ بالأدباء والعلماء والشعراء والرواد؟ بالمصانع والمعامل، باللحوم والأجبان والألبان، أم بالكرم والضيافة وحسن الاستقبال؟ هل كنتُ بخيلاً يوماً؟

فمن أين تولّد هذا التبلد في قلوبكم؟ ومن أين نبع هذا الحقد؟ كيف طاوعتكم قلوبكم على السكوت عن تشويه وجهي الجميل، والعبث بأحشائي وكأنني مجرد مشهدٍ سينمائي؟

وصلتني تعليقاتكم، ورأيتكم تتشاركون صور ومقاطع اللهب ينبعث من أحشائي؛ وكأن ما حصل مقطعٌ من فيلم! لم يتوقف الأمر هنا، فبينكم من كان يهلل فرحاً لقتلي؛ بعضهم حقداً، والبعض الآخر ليثبت أن نظريته هي الصائبة ومشروعه هو الصحيح.

يخاطبني البعض بمصطلحات لا أفهمها، ويضعني آخرون في إطار معادلات لا أدركها، بينما يبرر فريقٌ آخر ذبحي بوصفه فاتورةً طبيعية لـ “لعبة الأمم”.

ولكن، ما لي وبكل هذا؟ إنني أشعر بثقل الأنفاس في رئتي بعدما تزاحم الأطفال -أحياءً وشهداء- للارتماء في أحشائي هرباً من هدير الطائرات وأطنان المتفجرات.

ألبسوني الركام والخراب والدمار وأنا في ربيع العمر، وخضّبوا أريج الطيون والوزال وزهر الليل، وخلطوا ترابي بالمتفجرات، ثم راحوا يدوسون بصلفٍ على تاريخي وحاضري ومستقبلي… وجمعُكم يراقب!

أنا متعب، وكل ما أريده هو أن أتنفس. أنا مُثخنٌ بالجراح ومثقلٌ بالدمار، فلا تكونوا جميعكم عليّ، فظلم ذوي القربى أشدُّ مضاضة.

اختلفوا كيفما شئتم، تناحروا وتخاصموا، ولكن لا تتركوا هذا الجرح يعتمل في قلبي حتى تلتهب جروحي وتُبتر أعضائي نهائياً بينما أنتم تلتهون بحساباتكم… فالوطن لا يقوم إلا باتجاهاته الأربعة، وبعد كل هذا الخراب، سيعود الجمعُ يبحث عن جَنُوب.