لا تفاوض تحت النار: لبنان بين السيادة ورفض الإملاءات

ميسم بوتاري- العربي المستقل

في مشهدٍ يعكس حجم الضغوط التي يتعرض لها لبنان، انطلقت في واشنطن محادثات مباشرة بين الدولة اللبنانية والكيان الصهيوني برعاية أمريكية، في خطوةٍ تُعدّ سابقةً خطيرة، وتطرح إشكالياتٍ دستورية ووطنية عميقة، خصوصًا أنّها تأتي في ظل استمرار العدوان، ما يجعلها فاقدةً لأي شرعيةٍ سياسية أو أخلاقية.
اللقاء الذي جمع المبعوثة اللبنانية ندى حمادة معوض بالسفير الإسرائيلي يخئيل لايتر، وبحضور السفير الأمريكي في بيروت ميشال عيسى، قُدِّم من قبل وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو على أنّه “خطوة تاريخية”. غير أنّ هذا التوصيف يتناقض جذريًا مع واقع الحال، إذ لا يمكن لأي مسار تفاوضي أن يُبنى في ظل القصف والتهديد، ولا يمكن أن يُعدّ “تاريخيًا” وهو يُدار تحت سقف الإملاءات والانحياز.

التفاوض تحت النار: انتقاصٌ من السيادة
إنّ المبدأ البديهي في العلاقات الدولية يؤكد أنّ التفاوض لا يكون مشروعًا إلا حين يقوم على الندية والتكافؤ، لا على الإكراه والضغط. أما ما يجري اليوم، فهو محاولة لفرض وقائع سياسية جديدة مستندة إلى التفوق العسكري، وهو ما يُعدّ انتهاكًا صارخًا لمفهوم السيادة.
فلبنان، الذي لا يزال يتعرض لاعتداءات مستمرة، يجد نفسه أمام طاولة مفاوضات تُدار بشروط الخصم، وتحت رعاية طرفٍ منحاز. وهذا الواقع ينسف أي ادعاء بأنّ هذه المحادثات يمكن أن تؤدي إلى نتائج عادلة أو متوازنة.

شروط الاحتلال: مشروع هيمنة لا تسوية
الشروط التي يطرحها الاحتلال ليست بنودًا تفاوضية، بل خارطة سيطرة كاملة على الجنوب اللبناني. تقسيم الأراضي إلى مناطق عازلة، ومنع عودة المدنيين، والإبقاء على وجود عسكري مفتوح، وصولًا إلى فرض تفكيك حزب الله، كلها مؤشرات على أنّ الهدف ليس السلام، بل إعادة إنتاج الاحتلال بأدواتٍ جديدة.
الأخطر من ذلك، أنّ الشرط الإسرائيلي الأساسي بعدم الانسحاب قبل “لقضاء على حزب الله” يعني عمليًا إبقاء لبنان تحت تهديد دائم، وربط سيادته بقرارٍ خارجي، وهو أمرٌ لا يمكن القبول به تحت أي ظرف.

رفض مطلق: لا تفاوض في ظل العدوان
إنّ الموقف الوطني الواضح يجب أن ينطلق من قاعدةٍ لا لبس فيها: لا تفاوض تحت النار.. فالتفاوض في ظل العدوان ليس سوى استسلامٍ مقنّع، ومحاولة لشرعنة ما عجز الاحتلال عن فرضه بالقوة.
التاريخ اللبناني يقدّم دروسًا واضحة في هذا السياق. فـ اتفاق 17 أيار 1983 سقط لأنّه فُرض تحت الاحتلال، ولم يحظَ بقبولٍ شعبي أو وطني. في المقابل، جاء تحرير جنوب لبنان 2000 نتيجة معادلة مختلفة، قائمة على الصمود ورفض الإملاءات.
هذه التجارب تؤكد أنّ الحقوق لا تُستعاد عبر طاولات تفاوضٍ غير متكافئة، بل عبر موازين قوة تفرض احترامها.

مفارقة اللحظة: ضعف الخصم واستعجال التنازل
في الوقت الذي يمر فيه الكيان الصهيوني بأزمات داخلية متفاقمة، واستنزافٍ عسكري غير مسبوق، كان من المفترض أن يشكّل ذلك فرصة للبنان لتعزيز موقعه، لا للتراجع. إلا أنّ ما يحدث هو العكس تمامًا، حيث يُسارع البعض إلى التفاوض من موقع الضعف، متجاهلين التحولات الإقليمية التي قد تصب في مصلحة لبنان.
هذه المفارقة تطرح تساؤلات جدية حول طبيعة القرار السياسي، ومدى استقلاليته، خصوصًا في ظل الدور الأمريكي الذي يسعى بوضوح إلى إنقاذ إسرائيل عبر فرض تسوياتٍ تخدم مصالحها.

بين السيادة والإملاءات
إنّ السيادة ليست شعارًا يُرفع، بل ممارسة تُترجم في القرارات المصيرية. والقبول بالتفاوض في ظل القصف، وتحت سقف الشروط الإسرائيلية، يشكّل تنازلًا خطيرًا يمسّ جوهر الكيان اللبناني.
لبنان ليس عاجزًا، ولا معزولًا، بل يمتلك عناصر قوة متعددة، من شعبه إلى موقعه الجغرافي وتحالفاته. والمطلوب اليوم ليس الانخراط في مساراتٍ مشبوهة، بل إعادة بناء موقف وطني موحّد يرفض الإملاءات، ويتمسك بالحقوق.
ما يجري اليوم ليس مجرد مفاوضات، بل اختبارٌ حقيقي لثوابت لبنان. وبين خيار الخضوع وخيار الصمود، لا يمكن أن يكون هناك منطقة رمادية. فإما سيادة كاملة، أو انزلاقٌ خطير نحو تكريس واقعٍ مفروض.
ولهذا، يبقى الموقف الحاسم: لا تفاوض مع العدو، وخصوصًا تحت النار. فكل تجربةٍ أثبتت أنّ ما يُنتزع بالقوة لا يُستعاد بالتنازل، وأنّ الكرامة الوطنية لا تُقايض على طاولاتٍ تُدار بإرادة الخصوم.