قمة ترامب وشي جين بينغ.. بداية احتواء الحرب أم توسيعها؟
كنب د محمد اليمني

القمة لم تكن مجرد لقاء بروتوكولي بين زعيمين يتنافسان على قيادة النظام الدولي، بل جاءت في توقيت تتداخل فيه ملفات الحرب على إيران، وأمن الطاقة العالمي، والصراع الأمريكي الصيني، ومستقبل الشرق الأوسط، وممرات التجارة الدولية. لذلك فإن قراءة هذه القمة تتطلب تجاوز التصريحات الرسمية والنظر بعمق إلى الرسائل غير المعلنة التي خرجت من خلف الأبواب المغلقة.
من الواضح أن واشنطن تدرك أن أي مواجهة واسعة مع إيران لن تكون مجرد حرب تقليدية محدودة، بل قد تتحول إلى أزمة عالمية تضرب الاقتصاد الدولي بالكامل. فإيران لا تمثل فقط قوة عسكرية إقليمية، بل تمتلك أوراق ضغط استراتيجية تبدأ من مضيق هرمز ولا تنتهي عند شبكات الحلفاء الممتدة في أكثر من ساحة بالشرق الأوسط. وبالتالي فإن أي تصعيد عسكري كبير سيؤدي مباشرة إلى اضطراب أسواق النفط، وارتفاع أسعار الطاقة، وتعطل سلاسل الإمداد العالمية، وهو ما تخشاه الصين بشدة باعتبارها أكبر مستورد للطاقة في العالم.
هنا تحديدًا يمكن فهم أهمية لقاء ترامب وشي جين بينغ. فالصين، رغم خلافاتها العميقة مع الولايات المتحدة، لا تريد انفجارًا شاملًا في المنطقة يهدد مشروعها الاقتصادي العالمي ويضرب استقرار الأسواق التي تعتمد عليها. وفي المقابل، فإن واشنطن تحتاج إلى موقف صيني أكثر مرونة فيما يتعلق بالعقوبات على إيران، ومنع بكين من تقديم غطاء اقتصادي كامل لطهران خلال هذه المرحلة الحساسة.
لكن المفارقة الكبرى أن القمة قد تحمل في الوقت ذاته ملامح تهدئة وتصعيد معًا. فمن جهة، يمكن أن تكون محاولة لتنسيق “قواعد الاشتباك” ومنع الانفجار الإقليمي الكامل، ومن جهة أخرى قد تكون جزءًا من ترتيبات أكبر لإعادة توزيع النفوذ الدولي في الشرق الأوسط.
إدارة ترامب تنظر إلى إيران باعتبارها العقبة الأساسية أمام مشروع إعادة تشكيل المنطقة سياسيًا وأمنيًا. كما أن إسرائيل تضغط بقوة لدفع واشنطن نحو خطوات أكثر حسمًا ضد طهران، خاصة بعد تصاعد التوترات العسكرية والأمنية في أكثر من جبهة. لذلك فإن أي تفاهم أمريكي صيني لن يكون قائمًا على حماية إيران بقدر ما سيكون قائمًا على منع تحول الحرب إلى فوضى عالمية غير محسوبة.
الصين من جهتها تتعامل ببراغماتية شديدة. فهي لا تريد خسارة إيران كشريك استراتيجي مهم في مشروع “الحزام والطريق”، لكنها أيضًا لا ترغب في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة بسبب طهران. ولهذا تبدو بكين وكأنها تتحرك في منطقة رمادية؛ تدعم الاستقرار علنًا، وتحافظ على مصالحها الاقتصادية مع إيران بهدوء، وتحاول في الوقت نفسه إبقاء خطوط التواصل مفتوحة مع واشنطن.
القمة أيضًا تعكس تحولات أعمق في شكل النظام الدولي. فالعالم لم يعد أحادي القطبية كما كان بعد نهاية الحرب الباردة، بل أصبح ساحة تنافس مفتوح بين قوى كبرى تحاول كل منها تأمين مصالحها بأقل تكلفة ممكنة. وفي هذا السياق، تتحول أزمات الشرق الأوسط إلى أدوات ضغط متبادلة بين واشنطن وبكين وموسكو.
الأخطر في المشهد أن الحرب على إيران، إذا توسعت، لن تبقى محصورة داخل حدودها الجغرافية. فالتقديرات العسكرية تشير إلى أن أي ضربة واسعة قد تؤدي إلى ردود فعل متسلسلة تشمل الخليج والعراق وسوريا ولبنان وربما البحر الأحمر أيضًا. وهذا يعني أن المنطقة كلها قد تدخل في حالة استنزاف طويلة تتجاوز الحسابات التقليدية.
ومن هنا يمكن قراءة تصريحات ترامب الأخيرة باعتبارها رسائل متعددة الاتجاهات. فهو يريد الضغط على إيران، وطمأنة إسرائيل، وتحذير الصين، وفي الوقت نفسه الحفاظ على صورة القائد القادر على إدارة الأزمات الدولية الكبرى. أما شي جين بينغ فيسعى إلى الظهور كزعيم عالمي مسؤول يدعو للاستقرار والحلول السياسية، دون التخلي عن مصالح بلاده الاستراتيجية.
لكن هل تستطيع القمة فعلًا منع الحرب؟
الإجابة تبدو معقدة. فالتاريخ يؤكد أن اللقاءات الكبرى بين الزعماء لا تمنع دائمًا الصراعات، بل قد تكون أحيانًا مقدمة لإعادة ترتيبها. وفي كثير من الأحيان، تتفق القوى الكبرى على “إدارة” الحروب بدلًا من منعها بالكامل. بمعنى آخر، قد يكون الهدف الحقيقي هو منع الانفجار الشامل، وليس إنهاء التصعيد نفسه.
السيناريو الأكثر ترجيحًا حاليًا يتمثل في استمرار الضغوط العسكرية والسياسية على إيران ضمن سقف محسوب، مع تجنب الانزلاق إلى مواجهة مباشرة واسعة بين القوى الكبرى. لكن هذا السيناريو يبقى هشًا للغاية، لأن أي خطأ ميداني أو ضربة غير محسوبة قد يدفع المنطقة إلى نقطة اللاعودة.
كما أن الداخل الأمريكي يلعب دورًا مهمًا في حسابات ترامب. فالرئيس الأمريكي يدرك أن الدخول في حرب طويلة ومكلفة قد يحمل تداعيات سياسية واقتصادية داخلية، خاصة في ظل حالة الانقسام الداخلي الأمريكي والضغوط الاقتصادية العالمية. لذلك فهو يحاول الجمع بين سياسة “الردع بالقوة” وعدم التورط الكامل في حرب مفتوحة.
أما الصين، فهي تراقب المشهد بعين استراتيجية طويلة المدى. فبكين تعلم أن انشغال واشنطن بحروب الشرق الأوسط يمنحها مساحة أكبر لتعزيز نفوذها الاقتصادي والعسكري عالميًا، لكنها في الوقت ذاته تخشى انهيار الاستقرار التجاري العالمي الذي تعتمد عليه قوتها الاقتصادية.
قمة ترامب وشي جين بينغ لم تكن مجرد لقاء ثنائي، بل كانت انعكاسًا لصراع دولي أكبر على شكل العالم القادم. الشرق الأوسط بات مرة أخرى مركزًا للتنافس بين القوى الكبرى، وإيران أصبحت محورًا تتقاطع عنده حسابات الحرب والطاقة والنفوذ والاقتصاد العالمي.
ويبقى السؤال الأهم: هل تنجح واشنطن وبكين في احتواء الأزمة ضمن حدود يمكن السيطرة عليها، أم أن العالم يقف بالفعل على أعتاب مرحلة جديدة من الصدامات الكبرى؟
حتى الآن، لا توجد إجابة حاسمة. لكن المؤكد أن ما بعد هذه القمة لن يكون كما قبلها، وأن المنطقة تدخل مرحلة شديدة الخطورة تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع المصالح الاقتصادية والتحالفات الدولية بصورة غير مسبوقة.
العربي المستقل