إيران والرد عبر باكستان: هل بدأت ملامح التسوية أم مرحلة شراء الوقت؟

إيران والرد عبر باكستان: هل بدأت ملامح التسوية أم مرحلة شراء الوقت؟

 

كتب د محمد اليمني

في لحظة شديدة الحساسية إقليميًا ودوليًا، جاء إعلان وكالة الأنباء الإيرانية بأن طهران أرسلت ردها على المقترح الأمريكي لإنهاء الحرب عبر الوسيط الباكستاني، ليكشف عن تحرك سياسي يحمل في طياته أبعادًا أعمق من مجرد تبادل رسائل دبلوماسية. فاختيار باكستان كوسيط، وتوقيت الرد، وطبيعة المشهد العسكري المتوتر في الخليج والبحر العربي، كلها مؤشرات على أن المنطقة ربما دخلت مرحلة “إدارة الصراع” بدلًا من الانزلاق الكامل نحو الحرب المفتوحة.

 

التحرك الإيراني لا يمكن قراءته باعتباره استجابة تقنية لمبادرة أمريكية فقط، بل يجب فهمه ضمن معادلة معقدة تحاول فيها طهران تحقيق ثلاثة أهداف متوازية: أولًا تجنب المواجهة الشاملة مع الولايات المتحدة، ثانيًا الحفاظ على صورة “الدولة الصامدة” داخليًا وإقليميًا، وثالثًا انتزاع مكاسب سياسية وأمنية قبل أي تهدئة محتملة.

لماذا باكستان تحديدًا؟

 

اختيار باكستان كقناة لنقل الرد الإيراني ليس تفصيلًا بروتوكوليًا. فإسلام آباد تحتفظ بعلاقات متوازنة نسبيًا مع كل من واشنطن وطهران، كما أنها تدرك أن أي انفجار واسع في الخليج سيؤثر مباشرة على أمنها الاقتصادي والطاقة والاستقرار الداخلي.

 

لذلك تبدو باكستان في هذا السياق “وسيطًا مقبولًا” أكثر من بعض القوى الإقليمية المنخرطة بشكل مباشر في الاستقطاب الحالي.

إضافة إلى ذلك، فإن استخدام وسيط غير خليجي قد يعكس رغبة إيرانية في إبقاء المفاوضات بعيدًا عن الضغوط السياسية والإعلامية العربية، خاصة في ظل الاتهامات الإيرانية المتكررة لبعض العواصم الخليجية بالانحياز للموقف الأمريكي.

 

كما أن طهران ربما أرادت إرسال رسالة غير مباشرة بأنها لا تزال تمتلك هامشًا من العلاقات الإقليمية يسمح لها بالتحرك رغم العقوبات والعزلة الغربية.

 

ماذا يمكن أن يتضمن الرد الإيراني؟

حتى الآن لا توجد تفاصيل رسمية حول مضمون الرد، لكن قراءة السلوك الإيراني خلال العقود الماضية تشير إلى أن طهران غالبًا لا تقدم رفضًا قاطعًا ولا قبولًا كاملًا.

 

بل تعتمد سياسة “الرد المرن” الذي يفتح باب التفاوض دون تقديم تنازلات مباشرة.

 

من المرجح أن يتضمن الرد الإيراني مجموعة من الشروط الأساسية، أبرزها:

وقف أي عمليات عسكرية أو اغتيالات تستهدف قيادات مرتبطة بمحور المقاومة.

 

تقديم ضمانات بعدم توسيع الانتشار العسكري الأمريكي في الخليج.

تخفيف جزئي للعقوبات الاقتصادية أو منح استثناءات مالية ونفطية.

الاعتراف بشكل غير مباشر بالدور الإقليمي الإيراني في ملفات العراق وسوريا ولبنان واليمن.

إعادة فتح مسارات التفاوض النووي بصيغة جديدة.

 

وفي المقابل، قد تعرض إيران تهدئة تدريجية في الممرات البحرية، وتقليص وتيرة التصعيد عبر حلفائها الإقليميين، مع ضبط الاشتباك في مضيق هرمز والبحر الأحمر.

 

هل واشنطن تبحث فعلًا عن إنهاء الحرب؟

السؤال الأكثر أهمية لا يتعلق بإيران وحدها، بل بالنوايا الأمريكية نفسها. فالإدارة الأمريكية تدرك أن أي حرب طويلة في الخليج ستنعكس مباشرة على أسعار الطاقة، وسلاسل الإمداد العالمية، والانتخابات الأمريكية، إضافة إلى أنها ستستنزف القوات الأمريكية المنتشرة أصلًا في أكثر من جبهة دولية.

لكن في الوقت نفسه، لا تبدو واشنطن راغبة في منح إيران انتصارًا سياسيًا واضحًا. لذلك يمكن القول إن الولايات المتحدة تسعى إلى “احتواء التصعيد” أكثر من إنهائه بالكامل.

 

أي أنها تريد خفض مستوى التوتر إلى الحد الذي يمنع انفجارًا إقليميًا شاملًا، مع استمرار الضغط الاستراتيجي على طهران.

هذا يعني أن المقترح الأمريكي قد يكون قائمًا على صيغة “التهدئة مقابل التهدئة”، وليس “التسوية الكبرى”. وهو ما يفسر البطء والحذر في تبادل الرسائل.

 

إيران بين الضرورة العسكرية والأزمة الاقتصادية

القيادة الإيرانية تدرك أن استمرار المواجهة لفترة طويلة يحمل مخاطر ضخمة على الداخل الإيراني. فالعقوبات، والتضخم، وتراجع العملة، والضغوط الاجتماعية، كلها عوامل تجعل خيار الحرب المفتوحة مكلفًا للغاية.

 

لكن في المقابل، فإن التراجع السريع أو القبول غير المشروط بالمطالب الأمريكية قد يُفسَّر داخليًا كنوع من الانكسار السياسي، خصوصًا بعد سنوات من الخطاب القائم على “الصمود والمقاومة”. ولهذا تحاول طهران الجمع بين التصعيد المدروس والدبلوماسية غير المباشرة.

ومن هنا يمكن فهم الرسائل العسكرية الأخيرة في مضيق هرمز والتحركات البحرية الإيرانية؛ فهي ليست بالضرورة مقدمة لحرب شاملة، بل أدوات ضغط لتحسين شروط التفاوض.

 

السيناريوهات المحتملة

أولًا: التهدئة المرحلية

وهو السيناريو الأكثر ترجيحًا حاليًا، حيث يتم التوصل إلى تفاهمات غير معلنة تخفض مستوى الاشتباكات، مقابل التزام أمريكي بعدم التصعيد العسكري المباشر. هذا السيناريو يسمح للطرفين بادعاء تحقيق مكاسب دون خسارة الهيبة السياسية.

 

ثانيًا: فشل الوساطة وعودة التصعيد

إذا اعتبرت واشنطن أن الرد الإيراني يتضمن شروطًا مبالغًا فيها، أو إذا وقعت حادثة عسكرية كبيرة في الخليج أو العراق أو البحر الأحمر، فقد تعود المنطقة سريعًا إلى حافة المواجهة.

 

ثالثًا: تسوية أوسع

وهو احتمال أقل واقعية حاليًا، لكنه يبقى قائمًا إذا اقتنعت القوى الدولية بأن استمرار التوتر يهدد الاقتصاد العالمي بشكل مباشر. حينها قد نشهد مسارًا تفاوضيًا أوسع يشمل الملف النووي والأمن الإقليمي معًا.

 

الخلاصة

إرسال إيران ردها على المقترح الأمريكي عبر الوسيط الباكستاني ليس حدثًا عابرًا، بل مؤشر على أن قنوات التفاوض لا تزال مفتوحة رغم الضجيج العسكري. غير أن المشكلة الأساسية لا تكمن في تبادل الرسائل، بل في غياب الثقة العميق بين الطرفين.

 

الولايات المتحدة تريد تقليص النفوذ الإيراني دون حرب شاملة، وإيران تريد كسر الضغوط دون تقديم تنازلات استراتيجية. وبين هذين الهدفين تتحرك المنطقة فوق حافة شديدة الخطورة، حيث يمكن لأي خطأ ميداني أو اغتيال أو اشتباك بحري أن ينسف كل جهود الوساطة.

 

لذلك فإن الأيام المقبلة ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كانت الرسائل المتبادلة تمثل بداية مسار تهدئة حقيقي، أم مجرد استراحة قصيرة قبل جولة جديدة من التصعيد الأكبر في الشرق الأوسط.