*موتورو الشاشة اللبنانية… ووجع الغياب

 

كتبت مريم عبد الله

 

موتورو الشاشة اللبنانية… ووجع الغياب

 

وكأن غسان تويني وطلال سلمان ومنح الصلح وجوزيف سماحة، تأبطوا دفاتر العقل والرصانة، قبل أن يستريح يراعهم، وليتركوا الساحة، لثلة من الموتورين، يتنقلون بين منصات حديثة العهد، ليقدموا عروضا مجانية ومدفوعة من الصراخ، والحقد، والخواء الفكري والإعلامي. لك أن تقوم بزيارة خاطفة على صفحات هؤلاء، حتى تجد محتوى واحد، بمضامين مختلفة: شتائم متبادلة، شجار عنيف، مشادة كلامية كادت ان تتحول الى عراك…

​لقد باتت “المَشهدية” اليوم لا تُقاس بوزن الكلمة أو عمق التحليل، بل بقدرة الضيف أو “المؤثر” على استدراج الغرائز وتصدير الضجيج. هؤلاء الذين استبدلوا الحجة بالمنطق المفقود، والتحليل بالاتهام المعلب، حوّلوا الشاشات من منابر للتنوير إلى حلبات للمصارعة الكلامية، حيث الغلبة فيها لمن يملك “نفساً أطول” في الشتيمة، لا لمن يملك رؤيةً أبعد في السياسة أو الاجتماع.

​إنها مفارقة موجعة؛ أن يرحل “بناة الرأي” الذين صاغوا وجدان لبنان الثقافي بمداد من رصانة، ليحلّ مكانهم “صنّاع محتوى” يقتاتون على الفتن المتنقلة خلف عدسات هواتفهم. لم يعد المشاهد يبحث عن “افتتاحية” ترسم مسار المرحلة، بل أصبح يترقب “مقطعاً مجتزأً” يوثق لحظة انحدار أخلاقي، ليتصدر قائمة “الأكثر تداولاً”.

​هذا الخواء الفكري ليس مجرد أزمة إعلامية عابرة، بل هو تعبير عن “موت السياسة” بمعناها الرصين، واستبدالها بمسرحية عبثية أبطالها ثلة من الموتورين الذين يبيعون “الوهم” لجمهورٍ مُنهك، ويحرقون ما تبقى من وقار الكلمة في أتون الصراخ المجاني. إننا لا نشهد مجرد تبدل في الوجوه، بل نشهد ردمًا للهوة بين النقد والردح، وبين الإعلام والاستعراض، في زمنٍ صار فيه “اليراع” غريباً، و”الدفتر” مهجوراً، والساحة مستباحة لكل من أتقن فن الضجيج.