كتب د محمد اليمني
من التفوق إلى الفيتو: مشروع نتنياهو لاحتكار القوة وإعادة رسم السيادة في الشرق الأوسط
تشير التحركات السياسية والأمنية لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، خلال السنوات الأخيرة، إلى تحوّل نوعي في طبيعة الرؤية الإسرائيلية للأمن الإقليمي، من مفهوم الردع القائم على التفوق العسكري النسبي، إلى مقاربة أكثر شمولًا تسعى إلى إعادة تعريف الإطار المسموح به إقليميًا لامتلاك القدرات الدفاعية والاستراتيجية، بما يفضي عمليًا إلى تنصيب إسرائيل كفاعل مرجعي يحدد ما هو مقبول أو مرفوض في معادلات القوة داخل الشرق الأوسط. وفي هذا السياق، تبرز إيران باعتبارها الحالة الاختبارية الأولى لهذا التوجه، لا بوصفها تهديدًا آنيًا فحسب، بل كنموذج يُراد كسره تمهيدًا لتعميم القاعدة على بقية دول الإقليم.
التحول في العقيدة الأمنية الإسرائيلية
تاريخيًا، قامت العقيدة الأمنية الإسرائيلية على ثلاث ركائز رئيسية: الردع، والإنذار المبكر، ونقل المعركة إلى أرض الخصم. غير أن التطورات الإقليمية، وتآكل فاعلية الردع التقليدي، وتنامي قدرات الفاعلين الدولتيين وغير الدولتيين، دفعت صانع القرار الإسرائيلي، وعلى رأسه نتنياهو، إلى تبني تصور أكثر طموحًا، يتمثل في منع تشكّل أي قدرة ردع مقابلة من الأساس، بدل الاكتفاء بإدارتها أو احتوائها.
هذا التحول يعكس انتقالًا من منطق إدارة التهديدات إلى منطق التحكم البنيوي في مصادر التهديد، أي منع الدول الإقليمية من بلوغ مستويات معينة من التطور العسكري أو التكنولوجي، حتى وإن كانت هذه المستويات دفاعية أو ردعية بطبيعتها.
السيادة المشروطة وحدود القوة المسموح بها
في جوهر هذه الرؤية، يُعاد تعريف مفهوم السيادة، بحيث لا يُنظر إليه كحق مطلق للدولة في تطوير قدراتها الدفاعية، بل كامتياز يخضع لمنظومة من الشروط السياسية والأمنية، تُحدَّد خارجيًا. ووفق هذا المنطق، تصبح امتلاك الصواريخ الباليستية، أو تطوير الصناعات الدفاعية المحلية، أو التقدم في المجال النووي السلمي، أنشطة قابلة للتجريم السياسي وربما العسكري، إذا ما صدرت عن دول لا تنسجم مع الرؤية الأمنية الإسرائيلية.
ويمثل هذا التوجه قطيعة واضحة مع مبادئ القانون الدولي التي تكفل حق الدول في الدفاع عن نفسها، كما يعكس محاولة لإرساء نظام أمني هرمي في الشرق الأوسط، تكون فيه إسرائيل في القمة، وبقية الدول في مراتب متفاوتة من “القدرة المسموح بها”.
إيران كحالة اختبار استراتيجية
اختيار إيران كساحة أولى لتطبيق هذا النموذج ليس اعتباطيًا، بل يستند إلى جملة من الاعتبارات الموضوعية، في مقدمتها: الموقع الجيوسياسي لإيران، وامتداد نفوذها الإقليمي، وقدرتها على بناء منظومات ردع غير تقليدية، فضلًا عن نجاحها النسبي في تطوير قدرات ذاتية رغم العقوبات والضغوط المستمرة.
من هذا المنظور، لا تقتصر المواجهة مع إيران على ملفها النووي، بل تشمل بنيتها الاستراتيجية الشاملة، بما في ذلك برنامجها الصاروخي، وشبكة تحالفاتها الإقليمية، ونموذجها في الاعتماد على القدرات المحلية. والهدف النهائي هنا لا يتمثل في تعديل سلوك إيراني محدد، بل في إعادة صياغة حدود ما يمكن لدولة إقليمية أن تمتلكه من أدوات قوة.
الدور الأمريكي بين التواطؤ والاحتواء
لا يمكن فصل هذا المشروع عن الموقف الأمريكي، الذي اتسم تاريخيًا بتوفير الغطاء السياسي والعسكري لإسرائيل، وإن بدرجات متفاوتة من الحماس أو التحفظ. ففي حين تتقاطع واشنطن مع تل أبيب في هدف منع إيران من امتلاك سلاح نووي، فإن نتنياهو يدفع باتجاه توسيع هذا الهدف ليشمل تحجيم القدرات الإيرانية الشاملة، حتى تلك التي لا تمثل خرقًا قانونيًا صريحًا.
ويكشف هذا التباين عن معادلة معقدة، حيث تحاول إسرائيل فرض أجندتها القصوى على شريك دولي يدرك مخاطر الانزلاق نحو صراع إقليمي مفتوح، لكنه في الوقت ذاته غير مستعد لمواجهة المشروع الإسرائيلي بشكل مباشر.
قابلية التعميم الإقليمي
النجاح المحتمل في فرض هذه المعادلة على إيران سيخلق سابقة استراتيجية ذات تداعيات واسعة، إذ من المرجح أن تُستخدم الأدوات ذاتها—العقوبات، والضغوط السياسية، والتهديدات العسكرية—في مواجهة دول أخرى تسعى إلى تطوير قدراتها الدفاعية أو تحقيق قدر من الاستقلال الاستراتيجي.
وهنا تبرز إشكالية جوهرية تتعلق بمستقبل الأمن الإقليمي، حيث يؤدي تقييد القدرات التقليدية للدول إلى دفعها نحو بدائل غير متماثلة، بما في ذلك تعظيم دور الفاعلين غير الدولتيين، أو الانخراط في تحالفات أكثر حدة، وهو ما يقوض الاستقرار بدل تعزيزه.
يمكن القول إن مشروع بنيامين نتنياهو لإعادة ضبط موازين القوة في الشرق الأوسط يقوم على فرضية مركزية مفادها أن الأمن يتحقق عبر الاحتكار لا التوازن. غير أن التجربة التاريخية في النظم الإقليمية تشير إلى أن محاولات فرض الهيمنة الصلبة، حتى وإن نجحت تكتيكيًا، تظل هشة استراتيجيًا، لأنها تتجاهل ديناميات القوة المتغيرة، واعتبارات السيادة، وحتمية سعي الدول إلى امتلاك أدوات الدفاع عن نفسها.
وفي هذا الإطار، تبدو إيران اليوم ساحة الاختبار الأولى، لكنها ليست الأخيرة، بينما يبقى السؤال المفتوح هو ما إذا كان الإقليم سيتجه نحو نظام أمني أكثر اختلالًا، أم نحو إعادة تعريف جماعية لمفاهيم الأمن والسيادة والتوازن.
العربي المستقل