كتب د. محمد اليمني
حين تتجاوز النار حدودها: إيران والصراع القادم بلا خرائط

لم يكن تصريح وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي القائل إن «الحرب ستكون كارثة على الجميع، وإن الصراع سيتجاوز حدودنا في حال فشل المفاوضات» مجرد توصيف إنشائي أو تحذير دبلوماسي تقليدي يُستعمل لرفع سقف التفاوض، بل جاء كصياغة مكثّفة لرؤية استراتيجية إيرانية ترى في لحظة الانسداد التفاوضي نقطة تحوّل بنيوية قد تنقل الإقليم من منطق الصراعات المُدارة إلى منطق الانفجار غير القابل للاحتواء. فالتصريح، في جوهره، لا يتحدث عن حرب تقليدية محدودة، بل عن انزلاق منظومي يطال شبكات الأمن والطاقة والتجارة والتحالفات، ويعيد تشكيل الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط وربما للنظام الدولي برمّته.
المفاوضات كآلية احتواء لا كخيار سياسي
من منظور مراكز الأبحاث الاستراتيجية، لا تُفهم المفاوضات بين إيران والغرب بوصفها مسارًا دبلوماسيًا تقنيًا مرتبطًا بالبرنامج النووي فحسب، بل باعتبارها آلية احتواء كبرى تمنع تَحوّل التناقضات البنيوية إلى صدام مفتوح. وعليه، فإن تحذير عراقجي لا ينطلق من فرضية أن الحرب خيار مطروح بذاته، بل من إدراك أن فشل المفاوضات يرفع القيود الهيكلية التي تضبط سلوك اللاعبين الإقليميين والدوليين، ويفتح المجال أمام ديناميكيات تصعيد ذاتية لا يمكن التحكم بمسارها أو نهاياتها.
فالمفاوضات هنا تؤدي وظيفة «صمام الأمان»، لا لأنها تحلّ الخلافات، بل لأنها تُبقي الصراع داخل حيز التفاوض البطيء بدل الانفجار السريع. وحين يفشل هذا الصمام، فإن المنطقة تدخل مرحلة ما بعد الضبط، حيث تتراجع الحسابات العقلانية لصالح ردود الفعل المتسلسلة.
الحرب ككارثة متعددة المستويات
وصف الحرب بأنها «كارثة على الجميع» يعكس إدراكًا إيرانيًا – وربما دوليًا – بأن أي مواجهة عسكرية لن تكون صفرية النتائج.
فالخسائر لن تقتصر على أطراف الصراع المباشر، بل ستتوزع على مستويات متشابكة:
المستوى العسكري: حيث إن أي صدام مع إيران لن يكون تقليديًا، بل شبكيًا، ممتدًا عبر جبهات غير متزامنة، من الخليج إلى البحر الأحمر، ومن العراق إلى شرق المتوسط.
المستوى الاقتصادي: حيث يشكّل أمن الطاقة والممرات البحرية، وعلى رأسها مضيق هرمز، نقطة هشاشة عالمية قد تدفع بأسعار النفط والغاز إلى مستويات صادمة، وتدخل الاقتصاد العالمي في موجة تضخمية جديدة.
المستوى السياسي: حيث ستتعرّض أنظمة إقليمية لضغوط داخلية غير مسبوقة نتيجة الاضطراب الأمني وارتفاع الكلفة المعيشية.
المستوى الدولي: حيث قد تجد القوى الكبرى نفسها أمام صراع لا يخدم أولوياتها الاستراتيجية، خصوصًا في ظل التنافس الأمريكي–الصيني والحرب الأوكرانية.
بهذا المعنى، فإن «الكارثة» ليست توصيفًا أخلاقيًا، بل تشخيصًا بنيويًا لتداعيات تتجاوز القدرة على الاحتواء.
تجاوز الحدود… من الصراع المحلي إلى الفوضى الإقليمية
أخطر ما في تصريح عراقجي هو الإقرار الصريح بأن الصراع «سيتجاوز حدودنا». هذه العبارة تكشف عن قناعة راسخة بأن إيران، بحكم موقعها الجيوسياسي وتشابك علاقاتها الإقليمية، ليست دولة يمكن عزل حربها داخل جغرافيتها الوطنية. فشبكة التحالفات والامتدادات الإقليمية، سواء اتفق المرء معها أو اختلف، تجعل أي استهداف لإيران بمثابة تفجير لسلسلة تفاعلات تتجاوز السيطرة المباشرة.
وهنا لا نتحدث فقط عن ردود فعل عسكرية، بل عن انهيار منظومات الردع غير المعلنة التي تشكّلت خلال السنوات الماضية، والتي كانت تقوم على قاعدة «الضرب دون الذهاب بعيدًا». فمع فشل المفاوضات، تصبح هذه القاعدة غير صالحة، وتتحول الساحات الرمادية إلى ساحات مواجهة مفتوحة.
الرسالة المبطّنة إلى واشنطن وحلفائها
من الواضح أن خطاب عراقجي موجّه بالأساس إلى الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين والإقليميين. الرسالة ليست تهديدًا مباشرًا، بل تحميلًا مسبقًا للمسؤولية: أي إن فشل المسار الدبلوماسي لن يُقرأ في طهران كفشل تقني، بل كخيار سياسي متعمّد بفتح أبواب التصعيد.
وبهذا المعنى، فإن التصريح يهدف إلى إعادة تعريف كلفة القرار الغربي، ليس فقط على إيران، بل على النظام الدولي نفسه. فواشنطن، التي تسعى إلى إدارة أزمات متعددة في آن واحد، تدرك أن فتح جبهة كبرى في الشرق الأوسط قد يكون استنزافًا استراتيجيًا يتجاوز قدرتها على التحكم بالنتائج.
من الردع إلى الانفلات… سيناريو ما بعد الفشل
إذا ما فشلت المفاوضات، فإن المنطقة ستدخل مرحلة يمكن توصيفها بـ«الردع المنكسر». ففي هذه المرحلة، لا تعود قواعد الاشتباك السابقة فعّالة، وتبدأ الأطراف بتجريب الخطوط الحمراء لاختبار حدود القوة والتحمّل. وغالبًا ما تؤدي هذه المرحلة إلى أخطاء تقدير، تتحول سريعًا إلى صدامات واسعة.
وفي هذا السياق، يصبح تحذير عراقجي بمثابة محاولة أخيرة لإبقاء الصراع داخل إطار قابل للإدارة، قبل أن يتحول إلى حدث فوضوي شامل يعيد تشكيل التوازنات بالقوة لا بالتفاوض.
الدبلوماسية كخيار اضطراري لا ترف سياسي
في الخلاصة، يعكس تصريح وزير الخارجية الإيراني إدراكًا عميقًا لطبيعة اللحظة التاريخية التي يمر بها الإقليم. فالحرب، إن وقعت، لن تكون وسيلة لحسم الصراع، بل عاملًا لتفجيره على نطاق أوسع. ومن هنا، فإن المفاوضات لا تبدو خيارًا مفضّلًا بقدر ما هي خيار اضطراري لتجنّب سيناريو الكارثة الشاملة.
إن فشل المسار التفاوضي لن يعني انتصار طرف على آخر، بل انهيار منظومة الضبط التي حالت، حتى الآن، دون انزلاق الشرق الأوسط إلى فوضى مفتوحة. وهذا ما يجعل تحذير عراقجي ليس مجرد موقف إيراني، بل تشخيصًا لواقع دولي يقف على حافة قرار قد يندم عليه الجميع.
العربي المستقل