الشرق الأوسط في لحظة احتباس استراتيجي: حين يتآكل الصبر وتنهار ثوابت القوة

 

كتب د. محمد اليمني

الشرق الأوسط في لحظة احتباس استراتيجي: حين يتآكل الصبر وتنهار ثوابت القوة

يمرّ الشرق الأوسط بمرحلة استثنائية من التوتّر الكامن، مرحلة يمكن توصيفها بأنها حالة احتباس استراتيجي شامل؛ لا حرب شاملة تندلع، ولا سلام مستدام يتبلور، بل فراغٌ ضاغط تتراكم داخله عناصر الانفجار. المنطقة اليوم لا تتحرك، لكنها تغلي، ولا تصرخ، لكنها تختنق. وفي هذا السياق، يصبح الصمت نفسه مؤشراً خطيراً، وتتحوّل فترات الانتظار الطويلة إلى أدوات ضغط سياسي ونفسي تتجاوز في تأثيرها الفعل العسكري المباشر.

 

ما يميّز اللحظة الراهنة ليس فقط ارتفاع منسوب الأزمات، بل تفكك الإطار الناظم لها. المعادلات التي حكمت الإقليم لعقود—سواء تلك القائمة على الردع المتبادل، أو توازنات النفوذ، أو إدارة الصراعات بالوكالة—لم تعد صالحة لتفسير السلوك السياسي، ولا قادرة على ضبط مسارات التصعيد. الشرق الأوسط يقف اليوم أمام مشهد تتكسر فيه الثوابت، وتُعاد فيه صياغة المفاهيم، بينما ينفد الصبر الشعبي، وتتآكل قدرة الأنظمة على المناورة.

 

من إدارة الأزمات إلى العجز عن احتوائها

لطالما اعتمدت القوى الإقليمية والدولية على مبدأ إدارة الصراع بدلاً من حله، باعتباره الخيار الأقل كلفة والأكثر مرونة. غير أن هذا النهج بلغ حدوده القصوى. الأزمات التي كانت تُحتوى باتت تتفاعل مع بعضها البعض، فتنتقل العدوى من ساحة إلى أخرى، وتتشابك الملفات الأمنية بالاقتصادية، والسياسية بالاجتماعية، في معادلة شديدة التعقيد.

إن تكرار السيناريوهات ذاتها—وقف إطلاق نار هش، تفاهمات مؤقتة، مسارات تفاوضية بلا ضمانات—لم يعد ينتج استقراراً، بل يراكم الإحباط ويغذّي شعوراً عاماً بانسداد الأفق. ومع كل فشل جديد، تفقد الأطراف المحلية ثقتها في الحلول السياسية، وتزداد شهية الفاعلين غير الدوليين لملء الفراغ بالقوة، ما يسرّع عملية التفكك المؤسسي داخل الدول الهشة.

 

تآكل الصبر الاجتماعي كمتغير حاسم

لم يعد الصبر الشعبي في الشرق الأوسط عاملاً محايداً أو سلبياً. لقد تحوّل إلى متغير سياسي نشط يضغط على الأنظمة، ويعيد تشكيل أولوياتها. المجتمعات التي تحمّلت لسنوات طويلة أعباء الفشل الاقتصادي، وغياب العدالة، وتآكل الطبقة الوسطى، باتت أقل استعداداً لقبول الخطابات التقليدية التي تبرر الأزمات باسم الأمن أو الخصوصية السياسية.

 

الأخطر من ذلك أن هذا النفاد في الصبر لا يتخذ دائماً شكل احتجاجات منظمة، بل يظهر أحياناً في انسحاب صامت من المجال العام، أو في تفكك الثقة بين المواطن والدولة، أو في استعداد نفسي لتقبّل سيناريوهات الفوضى باعتبارها أقل سوءاً من الاستمرار في الوضع القائم. هذه الحالة تجعل الاستقرار الظاهري مضللاً، وتحوّل الهدوء إلى مؤشر على اقتراب الانفجار، لا على تجنّبه.

 

انهيار منظومات الردع الإقليمي

شهد الإقليم خلال السنوات الأخيرة تراجعاً ملحوظاً في فعالية منظومات الردع، سواء على المستوى العسكري أو السياسي. فالرسائل التي كانت تُرسل عبر القنوات الدبلوماسية أو العسكرية لم تعد تُقرأ بالطريقة ذاتها، وأصبحت احتمالات سوء التقدير أعلى من أي وقت مضى. في بيئة كهذه، يتحول الخطأ الصغير إلى شرارة تصعيد واسع، وتصبح الحسابات التكتيكية قصيرة المدى بديلاً عن الرؤية الاستراتيجية الشاملة.

 

إضافة إلى ذلك، فإن تزايد دور الفاعلين من غير الدول—من ميليشيات عابرة للحدود إلى تنظيمات مسلحة ذات أجندات مستقلة—أضعف قدرة الدول على التحكم بمسارات الصراع. هذه الأطراف لا تخضع لمنطق الكلفة والعائد التقليدي، ولا تعترف بخطوط حمراء ثابتة، ما يجعل البيئة الأمنية أكثر هشاشة، وأكثر قابلية للانفجار غير المحسوب.

 

التحولات الدولية وانعكاسها على الإقليم

لا يمكن فهم حالة الشرق الأوسط بمعزل عن التحوّل الجاري في بنية النظام الدولي. العالم ينتقل من مرحلة أحادية أو شبه أحادية القطبية إلى حالة سيولة استراتيجية تتنافس فيها القوى الكبرى دون قواعد مستقرة. هذا التحول ينعكس مباشرة على الإقليم، الذي يُستخدم مرة أخرى كساحة اختبار لإعادة توزيع النفوذ.

 

تراجع الانخراط الأمريكي المباشر، مقابل صعود أدوار دولية بديلة، خلق حالة من الغموض الاستراتيجي. هذا الغموض يدفع بعض القوى الإقليمية إلى المغامرة، ويدفع أخرى إلى التحصّن، بينما تبقى الشعوب عالقة بين حسابات لا تشارك في صنعها، لكنها تدفع كلفتها كاملة. وفي ظل غياب إطار دولي توافقي لإدارة الأزمات، تصبح الحلول أكثر صعوبة، والتسويات أقل استدامة.

 

الاقتصاد كخط تماس سياسي

لم يعد الاقتصاد مجرد خلفية للأزمات السياسية، بل أصبح خط تماس مباشراً بينها. ارتفاع معدلات التضخم، وتراجع العملات، واتساع الفجوة بين الدخول، كلها عوامل تُسهم في تفكيك العقد الاجتماعي غير المعلن بين الدولة والمجتمع. ومع تآكل القدرة الشرائية، يتحوّل الغضب الاقتصادي إلى وقود سياسي قابل للاشتعال السريع.

 

في المقابل، يُظهر الواقع أن أي مسار نحو الاستقرار لا يمكن أن يتجاهل البعد الاقتصادي. الإصلاحات الشكلية لم تعد كافية، والمساعدات الخارجية المؤقتة لا تعالج جذور الأزمة. المطلوب هو إعادة هيكلة شاملة للنماذج الاقتصادية، تضع الإنتاج، والعدالة الاجتماعية، والاستثمار في الإنسان في صدارة الأولويات. من دون ذلك، سيبقى الاقتصاد عاملاً مهدداً للاستقرار، لا رافعة له.

 

أزمة الهوية وتفكك السرديات الكبرى

يعاني الشرق الأوسط أيضاً من أزمة سردية عميقة. السرديات القومية، والدينية، وحتى الثورية، التي شكّلت لعقود مصادر للشرعية السياسية، لم تعد قادرة على تعبئة المجتمعات أو توحيدها. في المقابل، لم تنجح الدول في بناء سرديات بديلة قائمة على المواطنة، والحقوق، والمشاركة السياسية.

 

هذا الفراغ السردي يفتح المجال أمام هويات فرعية متصارعة، ويُضعف الانتماء للدولة، ويُغذّي النزاعات الداخلية. وفي ظل غياب مشروع جامع، يصبح الصراع على الهوية بديلاً عن الصراع على السياسات، وهو صراع أكثر خطورة، لأنه يمسّ الأسس العميقة للمجتمع، لا مجرد خيارات الحكم.

 

سيناريوهات المستقبل بين الانفجار وإعادة التشكيل

أمام الشرق الأوسط ثلاثة مسارات محتملة، لا رابع لها تقريباً:

 

المسار الأول يتمثل في استمرار حالة الاستنزاف والتوتر، مع انفجارات موضعية متكررة، تُبقي الإقليم في حالة عدم استقرار مزمن.

 

المسار الثاني يقوم على إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية عبر تفاهمات براغماتية، تفرضها الكلفة العالية للصراع، دون أن تعالج بالضرورة جذوره العميقة.

المسار الثالث—وهو الأصعب والأكثر طموحاً—يفترض تحوّلاً حقيقياً في نماذج الحكم، وإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع، بما يسمح ببناء استقرار قائم على الشرعية لا على القمع أو الردع وحده.

 

الشرق الأوسط أمام اختبار العقل السياسي

الشرق الأوسط اليوم لا يفتقر إلى الموارد، ولا إلى الأهمية الجيوسياسية، بل يفتقر إلى عقل سياسي جديد قادر على قراءة المتغيرات، والتخلي عن الأوهام القديمة، وبناء معادلات أكثر واقعية وإنسانية. الصبر ينفد، والمعادلات تتكسر، والوقت لم يعد في صالح أحد.

 

إما أن تُستثمر هذه اللحظة لإعادة تأسيس الإقليم على قواعد مختلفة، أو أن يستمر الدوران في حلقة الصراع المفتوح، حيث لا منتصر حقيقي، ولا هزيمة نهائية، بل خسائر متراكمة يدفع ثمنها الجميع.