كتب د محمد اليمني
العصا الأمريكية والجزرة المؤجلة: إيران في كماشة ترامب

في كل مرة يعود فيها دونالد ترامب إلى واجهة القرار أو الخطاب السياسي المرتبط بإيران، تعود معه واحدة من أكثر السياسات التباسًا في التاريخ الأمريكي المعاصر، سياسة «العصا والجزرة»، لا بوصفها أداة تكتيكية عابرة، بل باعتبارها فلسفة إدارة صراع كاملة، تقوم على الضغط الأقصى دون الانزلاق إلى الحرب الشاملة، وعلى فتح النوافذ الدبلوماسية دون تقديم تنازلات استراتيجية حقيقية. هذه السياسة، التي بدت في ظاهرها متناقضة، كانت في جوهرها انعكاسًا لعقلية رجل أعمال أكثر منها عقلية رجل دولة تقليدي، يرى في الصراع صفقة طويلة النفس، لا معركة صفرية تُحسم بضربة واحدة.
إيران، في الحسابات الترامبية، ليست مجرد دولة “مشكلة”، بل عقدة جيوسياسية واقتصادية وأمنية تتقاطع عندها مصالح الطاقة العالمية، وأمن إسرائيل، وهيبة الولايات المتحدة، وتوازنات الشرق الأوسط، وصراع النفوذ مع الصين وروسيا. لذلك لم يتعامل ترامب مع طهران بمنطق الاحتواء الكلاسيكي، ولا بمنطق المواجهة العسكرية المباشرة، بل بمنطق الخنق التدريجي المصحوب بإشارات إغراء مدروسة، تجعل الخصم دائمًا في حالة ترقّب وقلق، لا يعرف هل الخطوة التالية ستكون ضربة قاصمة أم باب تفاوض مفاجئ.
منذ انسحابه من الاتفاق النووي عام 2018، رفع ترامب مستوى “العصا” إلى حدود غير مسبوقة، عبر إعادة فرض العقوبات بأقصى طاقتها، وتوسيعها لتشمل قطاعات النفط، والمال، والشحن، وحتى الشخصيات والمؤسسات المرتبطة بالمرشد والحرس الثوري. لم تكن تلك العقوبات مجرد أدوات ضغط اقتصادية، بل رسالة سياسية مركبة تقول إن الولايات المتحدة قادرة على شلّ دولة إقليمية كبرى دون إطلاق رصاصة واحدة، وإن من يخرج عن المظلة الأمريكية سيدفع ثمنًا باهظًا، ليس فقط داخليًا بل في علاقاته الدولية أيضًا.
لكن في المقابل، لم تُرفع “الجزرة” من على الطاولة يومًا. فترامب، في أكثر من مناسبة، أعلن استعداده للقاء القيادة الإيرانية “دون شروط مسبقة”، ولوّح بإمكانية التوصل إلى “اتفاق أفضل”، ووعد بأن إيران يمكن أن تصبح “دولة عظيمة” إذا غيرت سلوكها. هذا الخطاب، الذي بدا للبعض متناقضًا مع سياسة الخنق، كان في الحقيقة جزءًا من لعبة نفسية مدروسة، تهدف إلى شقّ الصف الداخلي الإيراني بين من يرى في الصمود خيارًا استراتيجيًا، ومن يرى في التفاوض ضرورة لإنقاذ الاقتصاد والنظام.
سياسة العصا والجزرة الترامبية لم تكن موجهة لإيران وحدها، بل كانت رسالة متعددة الاتجاهات. إلى الحلفاء في الخليج وإسرائيل، مفادها أن واشنطن لن تسمح لإيران بتجاوز الخطوط الحمراء، لكنها في الوقت نفسه لن تجرّ المنطقة إلى حرب مدمّرة لا يمكن السيطرة على نتائجها.
وإلى الخصوم الدوليين، خصوصًا الصين وروسيا، بأن الولايات المتحدة ما زالت تمتلك أدوات ضغط فعّالة خارج الإطار العسكري، وقادرة على فرض معادلات جديدة حتى في ظل تراجع نسبي في قدرتها على خوض حروب كبرى طويلة الأمد.
غير أن جوهر هذه السياسة يكمن في حقيقة أعمق: ترامب لم يكن يسعى إلى إسقاط النظام الإيراني، بقدر ما كان يسعى إلى إعادة تعريف دوره وسلوكه داخل الإقليم. فإسقاط النظام يعني فوضى مفتوحة على المجهول، وارتدادات لا يمكن ضبطها في سوق الطاقة، ولا في خرائط النفوذ، ولا في أمن الحلفاء. أما ترويض السلوك الإيراني، أو على الأقل ضبط سقوفه، فهو هدف أكثر واقعية وأقل كلفة، حتى وإن تطلب سنوات من الضغط والتفاوض غير المباشر.
إيران، من جهتها، تعاملت مع هذه السياسة ببراغماتية حذرة. لم تنجرّ إلى مواجهة مباشرة، لكنها لم تقدّم تنازلات جوهرية. رفعت منسوب التصعيد المحسوب، سواء عبر البرنامج النووي، أو عبر ساحات النفوذ الإقليمي، في محاولة لرفع كلفة الضغط الأمريكي، دون تجاوز الخط الذي يستدعي ردًا عسكريًا شاملًا. هكذا دخل الطرفان في لعبة عضّ أصابع طويلة، كل طرف فيها يحاول إظهار قدرته على الصبر وتحمل الألم أكثر من الآخر.
اليوم، ومع احتمالات عودة ترامب أو صعود تيار سياسي أمريكي يعيد إنتاج مقاربته، تبدو سياسة العصا والجزرة مع إيران أكثر حضورًا من أي وقت مضى، لكنها تأتي في سياق دولي مختلف. العالم لم يعد أحادي القطبية، والاقتصاد العالمي أكثر هشاشة، وأسواق الطاقة أكثر حساسية، وأي خطأ في الحسابات قد يقود إلى انفجار يتجاوز حدود الشرق الأوسط. لذلك، فإن إعادة تفعيل هذه السياسة لن تكون مجرد تكرار للماضي، بل اختبارًا لقدرة الولايات المتحدة على إدارة صراع معقّد في زمن تآكل الهيمنة.
في المحصلة، سياسة ترامب تجاه إيران لم تكن نزوة شخصية ولا ارتجالًا سياسيًا، بل تعبيرًا عن مرحلة انتقالية في النظام الدولي، حيث لم تعد الحروب الشاملة خيارًا سهلًا، ولم تعد الاتفاقات الكبرى ممكنة دون ضغط قاسٍ. العصا تُستخدم لإجبار الخصم على الجلوس، والجزرة تُستخدم لإبقائه على الطاولة، أما الحسم النهائي فيبقى مؤجلًا، لأن لحظته لم تنضج بعد. وفي هذا التأجيل، تحديدًا، تكمن خطورة المرحلة، كما تكمن فرصها.
العربي المستقل