ميسم بوتاري – العربي المستقل
لم يكن بحاجة إلى صورة؛ كوفيةٌ حمراء، عصبةٌ خضراء، وصوتٌ حادّ واثق… كانت كافية ليملأ المشهد كلّه.
حين يظهر، يضيق الإطار، ويتقدّم المعنى، وتُصغي الشاشات. هكذا عرفه الناس: أبو عبيدة، الناطق باسم كتائب الشهيد عز الدين القسام.
لم يكن اسمًا عابرًا في نشرة أخبار، ولا متحدثًا تقليديًا يقرأ بيانًا وينصرف؛ بل تحوّل مع الوقت إلى رمزٍ مركزي في سردية المقاومة الفلسطينية، وصار صوته جزءًا من الذاكرة الجمعية لغزة.
على امتداد واحدٍ وعشرين عامًا، تحوّل اللقب إلى أيقونة، وتحول صاحبه إلى صوتٍ يسبق الحدث ويمنحه تفسيره ومعناه. ظهر بوضوح للمرة الأولى في صيف عام 2006، معلنًا عملية “الوهم المتبدد” وأسر الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط.
منذ تلك اللحظة، بدأ مسارٌ طويل من الظهور المحسوب: بيانات مقتضبة، لغة صارمة، ورسائل لا تعرف التردد. ظلّ وجهه غائبًا، لكن حضوره كان طاغيًا.
وُلد حذيفة سمير الكحلوت عام 1984 في مخيم جباليا شمال قطاع غزة. تلقّى تعليمه في مدارس الأونروا، وتفوّق في الثانوية العامة، ثم واصل مسيرته الأكاديمية حتى نال درجة الماجستير في العقيدة من الجامعة الإسلامية في غزة. جمع بين الدراسة والعمل التنظيمي، وبين الميدان والكلمة، في زمنٍ أصبحت فيه الكلمة نفسها ساحة مواجهة.

مع اندلاع الانتفاضة الثانية، التحق مبكرًا بصفوف حركة حماس وكتائبها العسكرية، وتدرّج في أدوار متعددة، إلى أن أصبح الواجهة الإعلامية لكتائب القسام بعد الانسحاب الإسرائيلي من غزة عام 2005. ومنذ ذلك الحين، صار صوته حاضرًا في كل حرب تقريبًا: من “الفرقان”، إلى “العصف المأكول”، وصولًا إلى “طوفان الأقصى”.
بلغ حضوره ذروته خلال حرب عام 2014؛ كانت بياناته تُنتظر، وتُحلَّل، وتُعاد مشاهدتها. وخطابه في يوليو من ذلك العام، حين أعلن أسر الجندي شاؤول آرون، ترسّخ في الذاكرة الجمعية لمؤيدي المقاومة.
حينها أدرك الاحتلال أن الرجل الملثّم لم يعد مجرّد ناقل أخبار، بل أداة تأثير نفسي ومعنوي. فبدأت محاولات التشكيك، ثم الاستهداف. وفي السنوات اللاحقة، حافظ أبو عبيدة على حضوره المقتضب: تسجيلات صوتية، مقاطع مصوّرة، وكلمات محسوبة بدقّة.
كان يعلّق على القدس والأقصى، وعلى غزة والضفة، ملوّحًا أحيانًا، ومحدّدًا المواقف أحيانًا أخرى. ومع انطلاق معركة «طوفان الأقصى» في أكتوبر 2023، صار صوته عنوانًا للميدان، ومصدر متابعة داخل فلسطين وخارجها.
لم يقتصر تأثيره على جمهور المقاومة؛ ففي الجهة الأخرى، كان الإسرائيليون يتابعون إطلالاته بقلق، ويفكّكون عباراته، وينتظرون بياناته. تداول الإعلام العبري اسمه كما تداوله الشارع الفلسطيني. هكذا تحوّل الغموض إلى قوة، واللثام إلى رسالة.
في عام 2024، فرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات عليه بصفته المتحدث باسم كتائب القسام. وفي يوليو 2025، ظهر في تسجيل مصوّر أكّد فيه استعداد الفصائل لمعركة استنزاف طويلة. وكان ذلك آخر ظهور له.
لكن أبا عبيدة لم يكن رمزًا عسكريًا فحسب؛ كان أبًا لأسرة صغيرة. ففي عملية اغتياله، في الثلاثين من أغسطس 2025، استشهدت زوجته وثلاثة من أطفاله، وبقي ابنه البكر إبراهيم شاهدًا على حكايةٍ امتزج فيها العام بالخاص، والسياسي بالإنساني.
رحل الرجل وبقي الصوت؛ صوتٌ تعلّم أن يكون أعلى من الخوف، وأوضح من الصورة، وأثقل من الصمت.
رحل أبو عبيدة، لكنّه سيبقى في ذاكرة كثيرين ذلك الظلّ الذي مرّ سريعًا على الشاشة، وترك أثرًا طويلًا في الحكاية الفلسطينية.
العربي المستقل