إستقلال على الورق.. وأرضٌ لا تزال تنتظر التحرير
كتب علي خنافر – العربي المستقل
في 22 تشرين الثاني 2025 يحتفل اللبنانيون بذكرى الاستقلال الثانية والثمانين، لكن بهجة الرايات كانت مُشوبَة بهمسٍ واحد: الجزء الجنوبي من الوطن ما زال يحتضن نقاطًا قالت إسرائيل إنها ستبقيها، ولبنان يرفض ذلك ويدعو إلى انسحابٍ كامل. الحديث عن «النقاط الخمس» لم يعد مجرد مفردة سياسية؛ صار واقعًا ميدانيًا يختبر مصداقية الدولة، ويحدد مدى اكتمال استقلالها.
ما هي “النقاط الخمس” ؟
مصطلح “النقاط الخمس” يشير إلى خمس مواقع حدودية استراتيجية في جنوب لبنان أعلنت إسرائيل أنها ستبقي بعض الجنود والمواقع فيها حتى بعد مهلة انسحاب، وهي مواقع مرتفعة أو مواقع حدودية قريبة من مستوطنات إسرائيلية أو طرق عسكرية، واختلاف تعريف كل نقطة يحدث بحسب الخرائط والمرجعيات (لبنانية، أممية، وإسرائيلية). القرار الإسرائيلي بإبقاء تواجده في خمس مواقع أثار ردود فعل لبنانية رسمية وغضبًا شعبيًا، لأنه يترجم عمليًا بقاء نفوذ عسكري داخل الأرض اللبنانية.
(خريطة توضيحية للنقاط الخمس مع تمييز الخط الأزرق ومواقع التلال)
(شرح جغرافي واستراتيجي – ماذا تمثّل ولماذا تهمّ)
1- مزارع شبعا – القلب الرمزي للنزاع
مزارع شبعا هي رقعة جبلية على التماس اللبناني – السوري – الإسرائيلي. لبنان يعتبرها أرضه ويستند إلى خرائط وصكوك قديمة تُظهر علاقة الأهالي بهذه الأرض، فيما إسرائيل تعتبر بعض أجزاء المنطقة جزءًا من هضبة الجولان التي احتلتها عام 1967. هذا الغموض القانوني جعل من شبعا سببًا لاحتكاكات مستمرة: سيطرتها تمنح رؤية على مساحات واسعة وتُمكّن من مراقبة طرق حركة جنوب لبنان. السيادة هنا قضية هوية ومطلبٌ أبوي بالنسبة لأهالي القرى المحيطة.

(خريطة مفصّلة لمزارع شبعا مع الإشارة إلى القرى المحيطة.)
2- تلال كفرشوبا والمناطق المرتفعة المحيطة
تلال كفرشوبا تُمثّل ارتفاعًا استراتيجيًا يطلّ على مساحات جنوبية، ومن يتحكم بها يستطيع مراقبة تحركات واسعة، تواجد قوة عسكرية على هذه التلال يمنحها قدرة على «الإشراف» الأمني والاعتراض السريع، ما يجعل الانسحاب منها ذا تأثير تكتيكي كبير على توازن الردع والردع المضاد.

(منظر تلي لتوضيح الأهمية الارتفاعية والقدرة الرصدية.)
3- شطر بلدة الغجر والنقاط الحدودية الصغيرة
بلدة الغجر مقسومة تاريخيًا بين لبنان وإسرائيل؛ أي وجود عسكري في شطرها الشمالي يولّد مشاكل مدنية وقانونية ويؤثر على حياة السكان بشكل مباشر (حركة، ملكيات، حرية تنقّل). وجود قوات عند مثل هذه النقاط يخلق «رمزية سيطرة» وتمسُّ البنية الاجتماعية للقرية.

(الصورة تُظهر بلدة الغجر المقسّمة بين لبنان والأراضي المحتلّة بفعل الخط الأزرق)
4- نقاط مطلة على رأس الناقورة وسواحل الناقورة (B1 / نزاع بحري-برّي مترابط)
بجانب التلال، ثمة نقاط قرب الناقورة (الناقورة) التي ترتبط أيضاً بمسألة الترسيم البحري وتحديد حقوق استغلال الثروات البحرية. السيطرة على نقاط ساحلية أو مطلة تساعد في الضغط على ملف الغاز والنفط الإقليمي، لذلك تمسّ هذه المواقع استراتيجية اقتصادية كذلك.

5- نقاط مراقبة ومواقع دفاعية متفرقة ذات أهمية استخباراتية
بعض المواقع قد لا تكون معروفة باسم محدد لدى الجمهور، لكنها تمثل مواقع مراقبة، منصّات رصد، أو مواقع لوجستية تحدّ من إمكانات الجيش اللبناني والسلطة في التحكم بحرية الحركة جنوبًا. الاحتفاظ بها يسمح بـ«أمر واقع» يمكن أن يؤثر على أي عملية تفاوض مستقبلية.
( رسم يوضح مدى الرؤية من كل نقطة وتأثيرها على القرى والمستوطنات المقابلة.)
لماذا تهمّ هذه النقاط عمليًا؟
• قدرة رصد واستخباراتية — التلال تمنح رؤية طويلة المدى، والقدرة على استشعار تحركات قوات أو ذخيرة.
• فرض “أمر واقع” سيادي — بقاء جنود في داخل الأرض اللبنانية يعطّل سيادة الدولة جزئيًا ويجعل التفاوض مُحصّنًا بواقع جديد.
• أثر على المدنيين والاقتصاد المحلي — المزارعون والصيادون والمقيمون يعانون قيودًا يومية، ما يفاقم مشاعر الغضب ويُضعف الإحساس بالأمن.
موقف الدولة والدبلوماسية: ماذا حصل في 2025؟
• في 18 شباط 2025 أعلنت بيروت أن أي وجود إسرائيلي متبقٍ داخل الأراضي اللبنانية سيُعتبر «احتلالًا» وأنها تحتفظ بحق استخدام كل الوسائل المشروعة لضمان الانسحاب. هذا الإعلان جاء بعد انتهاء المهلة المتفق عليها بعد التهدئة ووسط توقعات بأن قوات إسرائيلية ستبقى في خمس نقاط.
• من الجانب الإسرائيلي، قال وزير الدفاع إسرائيل كاتس في مارس 2025 إن قواته ستبقى متمركزة في خمسة مواقع جنوب لبنان “بلا تحديد زمني”، مؤكّدًا أن هذه المواقع ضرورية لأمن المستوطنات الشمالية. تصريح كاتس هذا أوضح النية الإسرائيلية في تثبيت بعض المواقع كجزء من استراتيجيتها الأمنية.

• الأمم المتحدة وبعثة اليونيفيل كرّرتا دعوتهما لاحترام القرار 1701 والانسحاب عن مناطق تقع شمال الخط الأزرق، وأصدرت تقارير تدين وجود بنى عسكرية وإنشاء مواقع داخل الأراضي اللبنانية؛ وأكّدت أن الخروقات متواصلة وأن الحل لا يأتي إلا بتطبيق هادف وملزم لقرارات مجلس الأمن.
![]()
• من جهة المقاومة والنفوذ المحلي، أكّد مسؤولون لبنانيون أن أي بقاء للقوات الإسرائيلية بعد المهل المتفق عليها سيُعامل كمؤشر احتلال شرعي، مع استعداد لتصعيد الردّ أو اللجوء إلى آليات ضغط مختلفة إن لم تنسحب. تصريح زعماء المقاومة تصاعد في المؤشرات خلال فبراير 2025.
من حرب مفتوحة إلى “نزاع منخفض الشدّة”
اتفاقات التهدئة (الأخيرة أُبرمت في نوفمبر 2024) خفّفت من حدة المواجهات المباشرة لكنها لم تُنهي الخطر. تحوّل المشهد إلى ما يسميه المحلّلون “نزاعًا منخفض الشدّة”: هجمات متقطعة بطائرات من دون طيار، قصف متبادل على نقاط حسّاسة، وخروقات للخط الأزرق تذكر الجميع أن الاستقرار هشّ. هذا النمط يسمح لإسرائيل بالحفاظ على نفوذها عبر وجود محدود وفعّال بدل الدخول في حرب مكلفة. اللبنانيون بدورهم يعيشون حالة تهدُّد دائم وتعرّض متكرر للخروقات.

( عدد الخروقات الاسرائيلية على لبنان منذ 27 نوفمبر 2024 وحتى 3 نوفمبر 2025)
ما الخيارات المتاحة أمام لبنان الآن؟
• ضغوط دبلوماسية وقانونية: تكثيف العمل في الأمم المتحدة، حشد دعم الخماسية الدولية والاتحاد الأوروبي؛ ميزة هذا المسار أنه يضفي شرعية دولية لكنّه بطيء ويعتمد على رغبة دولية بالضغط.

• آلية تقنية لترسيم الحدود: لجان خرائطية مشتركة مع ضمان دولي؛ عملي لكنها تحتاج تفاهم سياسي إقليمي (سوريا/إسرائيل) وعلاقة واضحة بين بيروت والوسطاء.

(الصورة تُظهر الخط الأزرق وحدود لبنان مع فلسطين المحتلّة، ما يبرز الحاجة إلى ترسيم تقني دقيق بضمان دولي لتثبيت سيادة لبنان على أرضه.)
• تعزيز وجود الدولة (الجيش/اليونيفيل) تدريجيًا: نشر وحدات لبنانية بدعم دولي لملء الفراغ بعد ضمانات انسحاب؛ مخاطره مواجهة مفتوحة إذا لم تترافق مع ضمانات دولية.

في الختام
إن كان استقلال لبنان يُقاس بالعلم في الساحات والخطب في المنابر، فذلك احتفالٌ شكلي؛ أمّا السيادة الحقيقية فتُكتب على الحدود، حيث يقف المُقاوم والمزارع والبيت الجنوبي في وجه بقاء الاحتلال، اليوم لا خيار ثالث: إمّا أن نستعيد آخر شبر من أرضنا، أو نعترف بأن الاستقلال مؤجّل وأن عَلمنا ما زال يرفرف فوق وطنٍ لم يكتمل بعد، الجنوب لا ينتظر الكلمات، بل قرارًا يعيد إليه أرضه وكرامته… الآن، لا غدًا.
العربي المستقل
