رجل الكهف: الحجر الناقص من شطرنج سايكس بيكو في المنطقة

جهاراً نهاراً، وعلى أعين الشعوب، بل وبموافقة حكّامهم، تسري في أراضيهم معالم اتفاق خُطّ منذ أكثر من قرن.

وربما حان لجولته الثانية أن تبصر النور.

ولا مانع أن تستمد هذه الجولة نورها من شحنات الشعوب، فتُقرَّر الشحنات الكهربائية السالبة والأخرى الموجبة، حسب الشعوب، الطوائف، المذاهب والمناطق.

وإن لم يُجْدِ أمرُ الفيزياء نفعاً، لا ضير من براكين الكيمياء وحقنها بالأسلحة حتى الانفجار، على خطى مارك سايكس وفرانسوا جورج بيكو.

سايكس بيكو: اتفاق لا يموت

قبل أكثر من قرن، رُسمت حدود المشرق بالحبر الاستعماري البريطاني والفرنسي، على طاولة سرّية في لحظة تأسيس قسرية لمنطقة لم تكن يومًا ملكًا لأهلها. واليوم، وكأن شطرنج سايكس بيكو لم تنتهِ جولته الأولى، تعود القطع لتتحرك من جديد، بأيدٍ محلية هذه المرة، وتحت عيون مفتوحة وشعوب مقيّدة، وصمت مدوٍّ من حكومات فقدت قدرتها على القرار.

في عام 1916، اجتمع مارك سايكس وفرانسوا بيكو لتقسيم تركة “الرجل المريض” بعد سقوط الدولة العثمانية.

زُرعت كيانات على أساس مصالح استعمارية لا على أساس شعوب أو هوية. وما زالت هذه الحدود تحكم المنطقة، رغم مرور أكثر من مئة عام.

فرنسا أخذت سوريا ولبنان.

بريطانيا استلمت فلسطين والعراق.

وأُسّست دولة “لبنان الكبير” ضمن النفوذ الفرنسي، لخلق كيان مسيحي طابعه غربي، يفصل بين سوريا وفلسطين، ويخدم مشروع السيطرة على الساحل.

لبنان: جغرافيا معلّقة على خيوط الخارج

لبنان لم يُفصل عن سوريا من فراغ. بل رُسم ليكون منطقة فاصلة، لتقسيم بلاد الشام سياسياً وطائفياً. وكانت المتصرفية تمهيدًا لذلك، حين حُكم الجبل بشكل خاص بطابع طائفي، تحت حماية أوروبية.

اليوم، نرى لبنان متمسكاً بأعراف أشدّ سطوة وأهلية من القوانين ليعاني من نفس التشققات:

• نظام طائفي مأزوم

• اقتصاد مدمَّر

• دولة عاجزة عن اتخاذ قرار الحرب أو السلم

• حدود مخترقة، وقرار مفقود

ما تغير؟

أن الشعب بات يُشبه خريطة بلده: مقسّم، خائف، عاجز.

سوريا: سايكس بيكو تُنفَّذ حيّاً

منذ عام 2011، وسوريا تعيش تقسيمًا حيّاً على الأرض:

• مناطق كردية تسعى لحكم ذاتي

• مناطق نفوذ تركي

• مناطق تحت سيطرة النظام

• معسكرات للمعارضة

• قواعد روسية وأميركية

والتقسيمات التي بدأت على الورق، أصبحت واقعًا على الأرض:

• مناطق نفوذ.

• جيوش أجنبية.

• دويلات بحكم الأمر الواقع

أما التطبيع مع إسرائيل، فليس سوى وجه من وجوه هذا المخطط:

تقسيم سوريا، تفريغها، ومن ثم فرض “سلام” لا يشبه السلام، ولا يريده أصحاب الأرض.

في الواقع، كلّ ما نراه الآن هو انفجارات مؤجّلة لذلك الحبر القديم الذي رُسمت به الخرائط:

• مَن يقرّر مصير سوريا؟

• مَن يحسم في لبنان؟

• وهل المنطقة اليوم مهيّأة لانفجار جديد؟

رجل الكهف: زعيمٌ أم واجهة مرحلة؟

ظهور “رجل الكهف”، أو ما يُسوّق له على هذا النحو، لن يكون عصا موسى في وجه انقسامات عمرها مئة عام. بل هو امتداد للمأساة. فكيف يكون بطلاً من يطبع مع إسرائيل؟ وكيف يواجه الاستعمار الجديد وهو منخرط في صفقاته؟ كيف يكون ناصراً للحق من يوقّع “اتفاق سلام” بدماء شهداء سوريا وفلسطين ولبنان؟

الوجه الجديد ليس وليد بطولاته، ولا غاباته، ولا كهفه. وإن صدّقه البعض، فهذا لا يدلّ على صدقه بقدر ما يكشف سذاجة جمهوره.

فكيف لرجل كهف أن يقف في وجه إمبراطوريات قسّمت بلادًا وشعوبًا وأراضي؟

كيف يأتي رغمًا عن سايكس وبيكو عصرنا، الذين أسكتوا العالم ومنعوه ابداء رأيه أو تضامنه مع رقعة تم إقصاؤها عنوةً ومُنع عنها حتى إيصال المساعدات التي لن تشكل تضخماً في اقتصاد العالم الأول إن أخذت كوب ماء ورغيف خبز…

كيف يكون بطلاً وهو يطبّع مع إسرائيل؟! وكيف ينفي إجرامه وهو يشهد لهذا الاجرام، وكيف لا وهو الذي برّر ماضيه في كهفه ب “طيش الشباب”

وهل “طيش الشباب ” يغفر دماء الأبرياء؟ والأغرب كيف يغفر له شعب عانى الظلم والحرمان ورأى الإرهاب بأم عينه؟

من يُلبس الجلاد ثوب المنقذ، لا يحقّ له البكاء على الضحايا.

فالجريمة ليست على حسابه فقط، بل باسمه أيضًا.

ليست كلّ خيانة تُرتكب بالرصاص، بعضُ الخيانات تُرتكب بالصمت… بالصمت وحده، وربما بالتطبيل. إلّا من رحم ربّي، وتمسّك بالحق، ولو كان وحيدًا.

فالحق لا يُقاس بعدد الهتافات، ولا تُقاس البراءة بعدد الأيادي المرفوعة. في هذا الزمن، الصمتُ تواطؤ، والتصفيقُ شراكة، والتغاضي خيانة.

سايكس بيكو 2

ربما لم تُوقَّع سايكس بيكو الثانية رسميًا، لكن وقائعها حيّة:

• مشاريع حكم ذاتي

• دولات أمر واقع

• تطبيع معلن أو متخفٍّ

• وكلّ ذلك تحت شعار كاذب: “السلام”.

ربما لا تُرسَم الخرائط اليوم بالحبر وحده، بل بالسكك، والغاز، وخطوط الإمداد.

ليس المهم أين تمرّ الطرق، بل لماذا فُتحت… ولمن. فالمنطقة تُفصَّل اليوم كما تُفصَّل بدلة الزعيم: لا على قياس الشعوب، بل على مقاسات الشركات والمعابر والموانئ.

ليست دروبًا للناس، بل ممرّات تُعبد ليعبر فوقها الغريب، محمولًا على صفقاتٍ لا تحمل لنا سوى التلاشي

واحدة تنطلق من الخليج، تمرّ من صحراء نيوم كأنها تمرّ فوق فراغ، تنزلق نحو جنوب الأردن، ثم تستقرّ في ميناء أسدود، وكأن فلسطين صارت ممرًا لا وطنًا.

وأخرى تتسلل من خاصرة سوريا نحو شمال العراق، تعانق حدود تركيا بخريطة لا تُبشّر إلّا بالمزيد من القواعد الأجنبية والخرائط الملوّنة.

هكذا تُرسَم سايكس بيكو الجديدة:

ليست خطوطًا بين دول، بل مسارات فوق الرماد، تمرّ من فوقنا لا من خلالنا…

وكلّ من يصفّق لها، إمّا شريك في الصفقة، أو ضحية لا يريد أن يرى

لا شيء عشوائي هنا.

كلّ سكة حديد هي حدّ فاصل.

كلّ أنبوب غاز هو خط تماس.

وكلّ طريق مرسوم، هو جزء من خريطة لا تعرف أسماءنا، بل تعرف فقط من وقّع، ومن صمت.

الخرائط ليست خطوطاً فقط

هل من قبيل الصدفة أن يُعاد رسم الخرائط بيد الشعوب لا من أجلها؟

هل من الطبيعي أن تصمت كلّ العواصم فجأة عن مجازر ترتكب؟

أن يُحوّل القاتل إلى محرِّر؟

أن يُساق النازحون من الحدود كما تُساق بيادق في لعبة شطرنج؟

أن تُمنَع المساعدات من الوصول، فيما تُفتح المعابر للغاز والقمح والتطبيع؟

من يحدّد مَن هو “رجل المرحلة” ومن هو “سيد العالم” أو حتى من يستحق جائزة نوبل للسلام في معمعة هذا التواطؤ؟

ومن يكتب السيناريو؟

وهل ما نراه هو نتاج ضعفنا، أم أننا نشهد فصلًا جديدًا من مخطط وُضع منذ أكثر من قرن؟

الأسئلة لا تنتهي…

لكن المؤكد أن التاريخ، مهما حاولوا تحريفه، لا يُنسى ولا يُسامح.

وفي الجغرافيا السياسية، لا تُرسم الحدود عبثاً. كلّ خطّ على الخريطة هو نتيجة تفاهم أو صراع، وغالباً ما يُعبّر عن ميزان قوى لا عن إرادة شعوب.

اتفاقية سايكس بيكو كانت تطبيقاً كلاسيكياً لما يُعرف بـ”إعادة هندسة المجال الحيوي” للدول الكبرى.

فتمّ تقطيع المنطقة إلى كيانات غير متجانسة، طائفيًا وديموغرافيًا، لضمان تفجّرها من الداخل عند الحاجة.

وما نشهده اليوم هو إعادة تشغيل لنفس النظرية لكن بأدوات “نائمة”:

• تحريك الأقليات.

• تفعيل الانقسامات التاريخية.

• صناعة أبطال محليين بمهام مؤقتة.

الأنظمة القائمة ليست سوى مخرجات هندسة استعمارية، ورجالها مجرّد موظفين في لعبة توازن، بعد أن ارتأى محرّكو الأحجار أن اللعبة، حين تُلعب بثوب عربي وتطبيل بطولي، تروق أكثر لشعوبنا

ماذا بعد؟

هل نستسلم لما رُسم لنا على الخرائط؟

هل نُسقط الشعارات ونقبل بالأمر الواقع؟

أم نعيد فهم التاريخ، وندرك أن لا خلاص لنا إلا بوحدة الموقف الشعبي، بعيدًا عن القوالب الطائفية والحدود المصطنعة؟

السلام لا يُكتب مع القتلة، ولا يولد من صمت الخائفين، ولا يُصنَع من فوق الخرائط.

السلام الحقيقي لا يأتي إلا من شعوب حرة، ترسم مصيرها بنفسها، وتعيد كتابة تاريخها لا على ورق الآخرين، بل على أرضها.

سايكس وبيكو رسموا خطوطًا بالحبر.

لكن الدم وحده هو من يروي الحقيقة.