المعرجات: صرخة الأرض الأخيرة في وجه التهجير
ميسم بوتاري- العربي المستقل
على ناصية الحلم الفلسطيني في وطن حر وآمن، يقف مستوطن صهيوني، يترصّد أرضًا لم تكن ولن تكون يومًا له.
وفي قلب الأغوار الفلسطينية، حيث آخر قلاع البدو في المعرجات، أُجبرت خمسون عائلة على إخلاء منازلها، تحت وطأة إرهاب المستوطنين واعتداءاتهم المتواصلة، التي تصاعدت خلال العامين الأخيرين. هذه العائلات لم ترحل بإرادتها، بل دُفعت قسرًا، بعد أن أنشأ المستوطنون بؤرة استيطانية وسط التجمع، وأدخلوا أعدادًا كبيرة منهم في محاولة لفرض واقع جديد بقوة السلاح.

بدون سلاح.. بدون حماية
لم يكن في يد السكان سلاح، ولا ظهرٌ سياسي يحميهم. وحدهم وقفوا في وجه الخطر، يواجهون الهدم، السرقة، والإرهاب. لكنهم لم يغادروا… صمدوا، وتشبثوا بكل خيمة وكل حجر، في حكاية مقاومة مذهلة استمرت سنوات، قبل أن تحاصرهم نار التهجير من كل جانب.
يقول محمد مليحات، مختار التجمع، إن التهجير الجماعي بدأ مساء أمس، بعد أن أُبلغ السكان بمهلة 24 ساعة لإخلاء المنطقة، بإنذار شفهي من جيش الاحتلال والمستوطنين.
“الناس بدأوا يفكون بيوتهم بسرعة، يخرجون أغنامهم وممتلكاتهم تحت الخوف والرعب من الاعتداءات”، قال مليحات، مضيفًا: “هناك تنسيق تام بين الجيش الصهيوني والمستوطنين، الأول يوفر الحماية، والثاني ينفذ الهجوم، بينما يُمنع الأهالي من الدفاع عن أنفسهم”.

خمسون عائلة… بلا مأوى
سابقًا، كان التجمع يضم أكثر من 80 عائلة، تم تهجيرهم تدريجيًا على مدى سنوات. أما الآن، فتهجّر ما تبقى دفعة واحدة، وتحديدًا خمسون عائلة، يضم كل منها ما بين 8 إلى 10 أفراد.
“الناس لا تعرف إلى أين تذهب، بعضهم لجأ لأقربائه في أريحا والعوجا، لكنها أماكن مؤقتة لا تصلح للسكن ولا تحتمل البقاء الطويل”، يقول المختار.
التحدي لم يكن فقط في هدم المنازل، بل في خسارة مصدر الرزق الرئيسي؛ الثروة الحيوانية التي تُركت عرضة للسرقة أو الهلاك، وسط غياب تام للخدمات التعليمية والصحية والإنسانية. ومع انسداد أفق سوق العمل، يعيش الناس في فراغ قاتل، بلا خيارات ولا أمان.

ما بعد الهدم… أطفال على حافة الرعب
ليست البيوت وحدها ما تم الاعتداء عليه. اقتُحمت المساكن، نُهبت الأغنام، وتعرضت النساء للترهيب، أما الأطفال فكانوا شهودًا صامتين على مشاهد لا يجب أن يراها بشر، تخيّل طفلًا في الصف السادس، يجد عند باب مدرسته دمية مغطاة بالدماء، وضعها مستوطن لبثّ الرعب في قلبه. هذا ليس مشهدًا من فيلم رعب، بل فصل من واقع فلسطيني تحت الاحتلال.
“اتفاق غير معلن” تم سحقه
المفارقة، كما يروي المختار، أن هذا التجمع كان جزءًا من “اتفاق غير معلن” مع جيش الاحتلال في ثمانينيات القرن الماضي، تضمن عدم هدم منطقة سكنية محددة، لكن هذه التفاهمات سقطت اليوم، ولم يبقَ شيء من تلك الوعود.
“الهجمات اليوم لا تأتي من أفراد، بل من جماعات استيطانية منظمة، مدججة بالسلاح، مستعدة لفعل كل شيء”.
توثيق بلا حماية
رغم زيارة بعض الصحفيين وممثلي المؤسسات الحقوقية، إلا أن التوثيق بقي حبراً على ورق.
“الناس تُصوَّر وتُوثّق، ثم تُترَك وحدها تواجه المصير. ما نحتاجه ليس توثيقًا فقط، بل حماية حقيقية، وضمانًا للبقاء”، يقول مليحات.
صرخة الختام: لا تتركونا وحدنا
يختتم مليحات حديثه بنداء عاجل للمؤسسات الدولية والجهات الحقوقية: “الناس هنا لم تقصّر يومًا، لم تطلب إلا الحياة، قاومت بما تملك، وتشبثت بالأرض حتى اللحظة الأخيرة. الآن، المطلوب هو حمايتهم أو على الأقل تأمين الحد الأدنى من الحياة الكريمة، لأن التهجير الذي يجري لا يهدف فقط لطرد السكان، بل لمحو وجودهم”.
ما يحدث في المعرجات ليس مجرد حادثة معزولة، بل سياسة ممنهجة لتهجير الفلسطينيين، وتجريدهم من أرضهم لصالح مشاريع الاستيطان الرعوي والتوسع الاستعماري، في محاولة مستمرة للقضاء على الحلم الفلسطيني في إقامة دولة حرة، على أرضه.
العربي المستقل