Lebanon's new prime minister-designate Nawaf Salam delivers a statement at the presidential palace in Baabda, east of Beirut, on January 14, 2025. Lebanon's President on January 13 picked international jurist Salam to form a government to pull the war-scarred country out of economic crisis, after two years of a caretaker government. (Photo by Anwar AMRO / AFP)

المرحلة المقبلة فتحت على كل الاحتمالات..

لم يكن يوم الأمس حدثًا عابرًا في تاريخ الأزمات اللبنانية المتلاحقة، بل مثّل نقطة تحوّل كبرى في مسار الحياة السياسية، على خلفية انسحاب وزراء “الثنائي” من جلستها. هذا التطوّر، الذي جاء بعد أسابيع من التوتر والتجاذب، كشف هشاشة البنية السياسية اللبنانية، وأظهر حجم الاختراقات الخارجية التي تعبث بمسار الحكم في البلاد.

الانسحاب الذي قلب المعادلة

جلسة الحكومة التي عُقدت بالأمس انتهت على وقع انسحاب وزراء “الثنائي الوطني”، الذين غادروا القاعة بشكل جماعي احتجاجًا على مسار المناقشات وغياب التوافق الوطني. هذا الانسحاب لم يكن مجرد موقف اعتراضي، بل خطوة سياسية مدروسة حملت رسائل متعددة: أوّلها أن الحكومة فقدت توازنها الميثاقي، وثانيها أن قراراتها، من الآن فصاعدًا، لن تمثل جميع المكوّنات اللبنانية. ومع هذا الانسحاب، تحوّل القرار التنفيذي إلى يد القيادة السياسية للثنائي، وتحديدًا إلى رئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي بات الممسك بورقة القرار في مواجهة أي خطوات أحادية قد تتخذها الحكومة.

انهيار الميثاق الوطني وتداعياته

الميثاق الوطني، الذي قام عليه الكيان اللبناني منذ عقود، يقوم على مبدأ الشراكة الحقيقية بين جميع الطوائف والمكوّنات. وما جرى بالأمس مثّل عمليًا ضربًا لهذا المبدأ، إذ فقدت الحكومة شريكًا أساسيًا، ما جعل قراراتها فاقدة للشرعية الوطنية، حتى لو استندت إلى نصوص قانونية شكلية. خطورة هذا الانهيار تكمن في أنه يفتح الباب أمام أزمة ثقة عميقة بين المكوّنات، ويكرّس الانقسام بدل أن يعالجه. وفي التجارب السابقة، كان أي خرق للميثاق يؤدي إلى شلل سياسي طويل الأمد، ومع الواقع الاقتصادي الحالي، فإن النتائج قد تكون أكثر كارثية على اللبنانيين.

البُعد الخارجي: الضغوط والاختراقات

من الصعب قراءة ما حدث بمعزل عن المشهد الإقليمي والدولي، فالأيام الماضية شهدت مؤشرات واضحة على تدخلات وضغوط خارجية من الولايات المتحدة الأمريكية وبعض دول الخليج العربي، كان بعضها علنيًا والآخر خلف الكواليس، لدفع بعض القوى اللبنانية إلى مواقف تصعيدية تهدف إلى إضعاف حلفاء الداخل وجرّ البلد إلى مسار سياسي جديد يخدم أجندات غير لبنانية. وهناك قوى سياسية داخلية تعاملت مع هذه الضغوط بمرونة لافتة، بل واستغلتها لإثبات ولائها للخارج، حتى لو كان الثمن هو تعطيل المؤسسات وضرب الاستقرار الهش. هذا التداخل بين الداخل والخارج يعيد تكرار سيناريوهات تاريخية شهدها لبنان، حين تحوّل إلى ساحة صراع بالوكالة بين القوى الإقليمية والدولية.

رئاسة الجمهورية أمام أول امتحان

في ظل الأوضاع الراهنة، كانت الأزمة الأخيرة أول اختبار جدي لولاية رئاسة الجمهورية، لكنها أشارت الى حجم التكبيل الذي يرافق عملها، حيث لم تتمكن الرئاسة من لعب دور الحكم أو الضامن للتوازنات الوطنية، بل بدت غير قادرة على احتواء الأزمة أو حتى تقديم مبادرة لوقف التدهور. هذا الفشل المبكر يطرح علامات استفهام كبيرة حول قدرة الرئاسة على إدارة الأزمات المقبلة، خصوصًا في ظل تصاعد التوتر السياسي وتزايد الضغوط الخارجية. سقوط الرئاسة أمام أول استحقاق وطني حقيقي أضعف موقعها المعنوي والسياسي، وأعطى إشارة سلبية لحلفائها قبل خصومها.

تداعيات داخلية خطيرة

الانسحاب وما تبعه من انهيار ميثاقي لن يقتصر تأثيره على المشهد السياسي، بل ستكون له تداعيات مباشرة على الملفات المعيشية والاقتصادية، إذ من المرجح أن تدخل الحكومة في حالة شلل كامل، ما سيعطّل القرارات الإصلاحية أو الإدارية الضرورية. كذلك فإن المشهد عزّز شعورًا متناميًا لدى المواطنين بأن الدولة لم تعد قادرة على إدارة شؤونها، وأن الانقسامات السياسية أصبحت أولوية على حساب معاناة الناس. الأجواء الشعبية بعد الجلسة اتسمت بالغضب والقلق، مع مخاوف من أن يكون ما جرى مقدمة لمراحل أكثر خطورة من التعطيل والصراع.

الأيام المقبلة: مسار مفتوح على كل الاحتمالات

مع انتقال زمام القرار السياسي إلى القيادة الحزبية خارج إطار الحكومة، ومع انعدام الثقة بين الأطراف، تبدو المرحلة المقبلة مفتوحة على سيناريوهات متعددة، تبدأ من تعطيل تام لمجلس الوزراء، مرورًا بمحاولات لفرض تسويات سياسية تحت الضغط، وصولًا إلى إعادة رسم التحالفات الداخلية. في الوقت نفسه، ستستمر الضغوط الخارجية التي تحاول استغلال الأزمة لفرض شروط جديدة على لبنان في ملفات اقتصادية وسياسية وحتى سيادية.

أزمة هوية وطنية قبل أن تكون أزمة حكومة

ما حدث أول أمس ليس مجرد انسحاب وزراء أو سقوط حكومة وطنيًّا ودستوريًّا، بل هو انعكاس لأزمة أعمق تضرب لبنان: أزمة هوية وطنية، وتداخل مقلق بين القرار الداخلي والإملاءات الخارجية. هذه الأزمة، إذا لم تُعالج بمقاربة وطنية شفافة، قد تفتح الباب أمام مزيد من الانقسام وربما انهيارات أكبر، في بلد يعيش منذ سنوات على حافة الانفجار.