منال الربيعي و”موانئ الرحيل”: رواية الفقد والعبور بين وجع الوطن وحلم الهجرة

“موانئ الرحيل”: رواية لا تُقرأ بل تُعاش

فاطمة الدر _ العربي المستقل

ليست “موانئ الرحيل” رواية تُروى على صفحات وحسب، بل تجربة وجودية تُعاش بكل تفاصيلها.

إنها مرآة لأولئك الذين فُرضت عليهم الخيارات، لا الذين اختاروها؛ وحكاية عن قدرٍ لا يسير بنا كما نشتهي، بل كما يشتهي أن يبعثرنا.

تأخذنا الكاتبة منال الربيعي، التي لا يهمّ إن كانت لبنانية أو عراقية، فالحبر هنا وطنيّ للوجع، نحو عوالم مألوفة بألمها وغريبة بقسوتها. من طرابلس إلى بيروت، وصولًا إلى تركيا، تمشي “ورد” بخطى خائفة على أرصفة متقلّبة، زهرة لم يُكتب لها أن تتفتح في وقتها، فاستعارت نورها من عتمة التجربة لتقف من جديد. أما “زين”، الفتى الذي رأى فيها بيتًا يعوّض يتمه، فلم يكن يدري أنه سيصبح يتمها هو الآخر.

بين مدينة وأخرى، وألم وآخر، تُنسج الحكاية… لا لتُروى فقط، بل لتُفهم وتُحس. إنها رواية عن الفقد وإعادة اختراع الذات، عن النهوض في وجه الانكسار، وعن اللحظة الفاصلة التي نقرر فيها أن نكتب النهاية بأيدينا.

في حفل إطلاق النسخة الأولى، كان لـ”العربي المستقل” فرصة الإبحار مع الكاتبة والغوص في أعماق نصّها لفهم هذه التنقّلات بين الأمكنة والأفكار. فالرواية، رغم واقعيتها، وليدة رؤية خاصة وتجارب متراكمة، صاغتها منال بأسلوبها لتذيب الحقيقي بالمتخيَّل حتى يصعب الفصل بينهما.

العنوان نفسه لم يكن عبثيًا؛ “طرابلس” وموانئها بما تحمله من معاني الرحيل والهجرة والعمل جاءت من صميم الأحداث. فالرواية ليست فقط عن عائلة طرابلسية، بل شهادة على مرحلة كاملة من الانهيارات التي عاشها لبنان: من الأزمة الاقتصادية، إلى انفجار مرفأ بيروت، إلى موجات الهجرة، وصولًا إلى زلزال تركيا. أرادت منال أن تُظهر أن خط الفقد ممتد بلا حدود، وأن قصة بيتٍ واحد قادرة على تلخيص وجع وطن بأسره.

شخصيات الرواية ليست نسخًا طبق الأصل عن أشخاص واقعيين، لكنها مستوحاة من وجوه وأصوات حقيقية: صيادون، أمهات مكافحات، عشاق، مهاجرون… وجوه نلتقي بها يوميًا من دون أن ندرك عمق ما يعيشونه.

استغرق إنجاز “موانئ الرحيل” أكثر من عامين من البحث والكتابة وإعادة الصياغة. عاشت منال مع شخصياتها حتى صارت جزءًا منها، وكانت أحيانًا تتوقف لأشهر لأن ثقل الأحداث يحتاج مسافة زمنية قبل العودة إلى الورق. طقوسها بسيطة: نافذة مفتوحة على البحر، فنجان قهوة، وصمت طويل… فيما كانت الأخبار المأساوية المتجددة تعيدها دومًا إلى الكتابة.

وتقول: “الكتابة بالنسبة لي لم تكن جلسات منظمة بقدر ما كانت حالة تعايش يومي مع النص، كما وصفتها أحلام مستغانمي حين ربطت فعل الكتابة بأبسط تفاصيل البيت والحياة.”

ما يميز “موانئ الرحيل” أنها تختلف عن أعمال منال السابقة:

  • في “حتى آخر العشق” عالجت معنى الحب في ظل الفقد والانكسار.
  • في “الخط الفاصل” قدّمت عملًا فكريًا – فلسفيًا حول الهوية والحدود بين الذات والآخر.
  • أما في “موانئ الرحيل” فقدمت رواية اجتماعية – وطنية – إنسانية، أكثر واقعية ومباشرة، تضع العائلة في قلب انهيارات لبنان وتربطها بمصير المنطقة.

الرواية لا تبحث عن إعجاب القارئ بقدر ما تريد أن يجد نفسه في سطورها؛ أن يسأل: ماذا يعني أن نرحل؟ وما الذي نتركه خلفنا؟ إنها نص يلامس كل من عاش الخسارة، فكّر بالهجرة، أو خشي على عائلته من الغد.

وتختم منال: “الشخصيات تترك أثرها داخلي حتى بعد انتهاء الكتابة. أنا أضع شيئًا من نفسي في كل شخصية: من انفعالاتي وقناعاتي وضعفي وقوتي. لذلك قد يجد المقربون مني بعض ملامحي في أبطالي. فالكاتب، مهما حاول الانفصال، يبقى حاضرًا في نصّه.”

لم تكن الهجرة المشكلة الأولى في حياة “ورد”، بل جاءت نتيجة سلسلة أوجاع سبقتها. من بينها “عُمر”، والمرض الذي خطفها من علمها في ريعان شبابها، مرض أصاب فردًا واحدًا لكنه تغلغل في قلوب الجميع.

ولكي تدخل إلى هذا العالم، لا بد أن تقرأ الأحداث بصوتك وتتبّع عينيك، لتصبح أنت أيضًا بطلًا، يدمج ذكرياته الشخصية مع كل مأساة ومحطة وردت في الكتاب.