لا يا جان عزيز، من يأكل من خبز الرئيس يضرب بسيفه!
*إبراهيم درويش_ رئيس تحرير موقع العربي المستقل*
اثنان وعشرون عامًا مضت منذ أن خطّت أناملي الحروف الأولى في مهنة مضرَّجة بالكثير من الألم والوجع، خصوصا عندما تحاول أن تكون أمينًا على الحرف، ومتحررًا من الإستعراض واللهث خلف التريندات، وأسيرًا للبحث عن حقيقة باتت سراباً نلاحقه ولا ندركه.
إثنان وعشرون عامًا صغت فيها الكثير من الصداقات، وخسرت الكثير منها، وهي ضريبة مستحقّة على واجب لا تملك فيه ترف الاستراحة أو التنحّي أو إغماض العين وصم الأذن. وقد تكون هذه هي المرة الأولى التي أخاطب فيها زميلًا أحترم شخصه وتجربته وباعه الطويل، دون أن أسقط عنه حجم المسؤولية الملقاة على عاتقه، ولا أحسده على ما هو مُناط به.
أدرك أن “الموج عالٍ”، وأن السباحة عكس التيار، أو محاولة التصدي له، ليست ترفًا، وأن محاولة العبور تستوجب الكثير من الصبر والحنكة، ولكن كل ذلك لن يصل بنا إلى شاطئ الأمان إن فقدنا العزيمة والإرادة لعدم الاستسلام، وتركنا التيار يجرفنا إلى حيث يسوقنا.
كما أدرك تمامًا أننا لا نملك الكثير من الترف لمجابهة قوة عظمى في بلد استُبيحت فيه الكرامات من الداخل قبل الخارج. وما كان أشدّ سفاح القربى في بلد أعداؤه كثيرون وحب محبيه قاتل. قد يكون تدوير الزوايا واحدًا من أدوات النجاة التي نحتاجها اليوم في حقبة من الجنون العالمي، بعد أن تعطّلت لغة السياسة والقانون والدبلوماسية والمنطق في العالم، واستحكمت شريعة الغاب في النظام العالمي، وبات العالم تحت رحمة مطامع الشراسة والتوسع والاستعمار. ولكن هذا لا يخلص بنا إلى تكريس فكرة تطويع الجسد على تحمُّل حوافر الخيل، بدلًا من البحث عن سبل لثنيها عن الدوس على عظام الهيكل اللبناني المترنّح.
لم أتفاجأ من كلام المبعوث الأميركي، فما قاله اليوم بحق اللبنانيين والصحفيين لا يعدو كونه مرآة أكثر وضوحًا للصورة التي يُراد للبلاد أن تكون عليها، وللآلية التي بات اللاعبون الكثر يلعبون فيها في ميداننا المشرَّع أمام المرابين والمراهنين واللاعبين متنوّعي الجنسيّات في ميداننا.
لم تخن الكلمات توم باراك، ولم يغب عن بال الدبلوماسي الأميركي المحنّك أن ما سيقوله ستوثّقه العدسات، لكنّه تعمَّد قوله من أرفع منبر دبلوماسي في البلاد ليفتح البوابة العريضة للمرحلة الجديدة والصريحة التي تريد الولايات المتحدة بسط نفوذها على البلاد عبرها، من زاوية واحدة لا لبس فيها، وعلى قاعدة لا تحتاج إلى تأويل ولا تحليل: أنتم بحاجة لنا، وعليكم أن تتعاملوا معنا على قاعدة الرئيس والمرؤوس، أو على قاعدة الوصيّ والموصى عليه. وبالتالي، كان أقل المطلوب اليوم هو الخروج بموقف لا يحمِّل الرئاسة الأولى وزر سوء أدب “الضيف” الذي أصرَّ على التصرف كأنّه صاحب الدار، وأنه هو من يحدد المعايير فيها.
ببساطة، ما حصل اليوم هو أكبر إساءة واضحة للموقع الرئاسي، وضرب متعمد ومتواصل لما تبقّى من سيادة يمنّي اللبنانيون أنفسهم بها، قبل وقوع المحذور. من غازي كنعان إلى توم باراك، اختلفت اللهجة والفعل واحد، مع الفارق أن كنعان كان يدير اللعبة خلف الكواليس، لا خجلًا، بل ربما لتقديرات تخص الرجل أو السياسة المتّبعة يومها، ولكنّ النتيجة واحدة: الكرامة السّائبة تفتح الشّهية على الاستباحة وتكريس واقع بشع ومهين.
لا يا جان عزيز، فإهانة الصحفيين في القصر الرئاسي هي إهانة لك وللقصر وللبنان، وأنت وفخامة الرئيس مسؤولان عنها. البيان “الممغمغ” لا يراعي الأصول المهنيّة ولا الدبلوماسيّة، ولن يأبه ضيف القصر بإحراج صاحب الدار أمام زوّاره وشعبه. كان أقلّ المطلوب أن يكون البيان مهنيًا وصريحًا وواضحًا، لا يبحث عن التماس العذر لإهانة مقصودة صدرت عن شخصية لها صفتها واسمها ودورها وغير مجهولة.
يقال إن “من يأكل من خبز الرئيس يضرب بسيفه”، والأمر الذي قد يغيب عن فخامة الرئيس الإحاطة به إعلاميًا هو في صلب مهامك، فلا تفقد سيفه حدَّه، في مرحلة يحتاج فيها اللبنانيون إلى سيف عادل يلمع بريقه دفاعًا عن الوطن، قبل أن ينهش الصدأ ما تبقى من هيكل وطن متآكل.
العربي المستقل